البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٢ - ذكر خروج عبد اللَّه بن على بن عبد اللَّه بن عباس على ابن أخيه المنصور
الجمعة و صلى بهم، ثم ارتحل منها إلى الأنبار. و قد أخذت له البيعة من أهل العراق و خراسان و سائر البلاد سوى الشام، و قد ضبط عيسى بن على بيوت الأموال و الحواصل للمنصور حتى قدم، فسلم إليه الأمر، و كتب إلى عمه عبد اللَّه بن على يعلمه بوفاة السفاح، فلما بلغه الخبر نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الأمراء و الناس، فقرأ عليهم وفاة السفاح، ثم قام فيهم خطيبا فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أنه إن كسره كان الأمر إليه من بعده، و شهد له بذلك بعض أمراء العراق، و نهضوا إليه فبايعوه، و رجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة، و قتل مقاتل العتكيّ نائبها. فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمه بعث إليه أبا مسلم الخراساني و معه جماعة من الأمراء و قد تحصن عبد اللَّه بن على بحران، و أرصد عنده مما يحتاج إليه من الأطعمة و السلاح شيئا كثيرا جدا، فسار إليه أبو مسلم الخراساني و على مقدمته مالك بن هيثم الخزاعي، فلما تحقق عبد اللَّه قدوم أبى مسلم إليه خشي من جيش العراق أن لا يناصحوه، فقتل منهم سبعة عشر ألفا، و أراد قتل حميد بن قحطبة فهرب منه إلى أبى مسلم، فركب عبد اللَّه بن على فنزل نصيبين و خندق حول عسكره، و أقبل أبو مسلم فنزل ناحية و كتب إلى عبد اللَّه: إني لم أومر بقتالك، و إنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها. فخاف جنود الشام من هذا الكلام فقالوا: إنا نخاف على ذرارينا و ديارنا و أموالنا، فنحن نذهب، إليها نمنعهم منه. فقال عبد اللَّه: ويحكم! و اللَّه إنه لم يأت إلا لقتالنا. فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام، فتحول عبد اللَّه من منزله ذلك و قصد ناحية الشام، فنهض أبو مسلم فنزل موضعه و غوّر ما حوله من المياه- و كان موضع عبد اللَّه الّذي تحول منه موضعا جيدا جدا- فاحتاج عبد اللَّه و أصحابه فنزلوا في موضع أبى مسلم فوجدوه منزلا رديئا، ثم أنشأ أبو مسلم القتال فحاربهم خمسة أشهر، و كان على خيل عبد اللَّه أخوه عبد الصمد بن على، و على ميمنته بكار بن مسلم العقيلي، و على ميسرته حبيب بن سويد الأسدي.
و على ميمنة أبى مسلم الحسن بن قحطبة، و على ميسرته أبو نصر خازم بن خزيم، و قد جرت بينهم وقعات و قتل منهم جماعات في أيام نحسات، و كان أبو مسلم إذا حمل يرتجز و يقول:
من كان ينوى أهله فلا رجع* * * فر من الموت و في الموت وقع
و كان يعمل له عرش فيكون فيه إذا التقى الجيشان فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه.
فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فمكر بهم أبو مسلم! بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة فأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب أن يحمل بمن بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام فحطموهم، فجال أهل القلب