البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤١ - إبراهيم بن أدهم
مثلنا و لا نسأل كشفه من ربنا. ثم يقول: ثكلت عبدا أمه أحب الدنيا و نسي ما في خزائن مولاه و قال: إذا كنت بالليل نائما و بالنهار هائما و في المعاصي دائما فكيف ترضى من هو بأمورك قائما.
و رآه بعض أصحابه و هو بمسجد بيروت و هو يبكى و يضرب بيديه على رأسه، فقال: ما يبكيك؟
فقال: ذكرت يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار. و قال: إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية.
و كتب إلى الثوري: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، و من أطلق بصره طال أسفه، و من أطلق أمله ساء عمله، و من أطلق لسانه قتل نفسه. و سأله بعض الولاة من أين معيشتك؟ فأنشأ يقول:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا* * * فلا ديننا يبقى و لا ما نرقع
و كان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات.
لما توعد الدنيا به من شرورها* * * يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
و إلا فما يبكيه منها و إنها* * * لأروح مما كان فيه و أوسع
إذا أبصر الدنيا استهل كأنما* * * يرى ما سيلقى من أذاها و يسمع
و كان يتمثل أيضا:
رأيت الذنوب نميت القلوب* * * و يورثها الذل إدمانها
و ترك الذنوب حياة القلوب* * * و خير لنفسك عصيانها
و ما أفسد الدين إلا ملوك* * * و أحبار سوء و رهبانها
و باعوا النفوس فلم يربحوا* * * و لم يغل بالبيع أثمانها
لقد رتع القوم في جيفة* * * تبين لذي اللب أنتانها
و قال: إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، و الاشتغال عن عيوبهم بذنبك، و عليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك و تب إلى ربك ينبت الورع في قلبك، و اقطع الطمع إلى من ربك. و قال: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذمّ مولانا الدنيا فمدحناها، و أبغضها فأحببناها، و زهدنا فيها فآثرناها و رغبنا في طلبها، و وعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، و نهاكم عن طلبها فطلبتموها، و أنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديا، خدعتكم بغرورها، و منتكم فانقدتم خاضعين لأمانيها تتمرغون في زهراتها و زخارفها، و تتنعمون في لذاتها و تتقلبون في شهواتها، و تتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالف الحرص عن خزائنها، و تحفرون بمعاول الطمع في معادنها. و شكى إليه رجل كثرة عياله فقال: ابعث إليّ منهم من لا رزقه على اللَّه. فسكت الرجل. و قال: مررت في بعض جبال فإذا حجر مكتوب عليه بالعربية: