البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٠ - إبراهيم بن أدهم
ثلاثة فتقدم إليه أحدهم فشم ثيابه ثم ذهب فربض قريبا منه، و جاء الثاني ففعل مثل ذلك، و جاء الثالث ففعل مثل ذلك، و استمر إبراهيم في صلاته، فلما كان وقت السحر قال لهم: إن كنتم أمرتم بشيء فهلموا، و إلا فانصرفوا فانصرفوا. و صعد مرة جبلا بمكة و معه جماعة فقال لهم: لو أن وليا من أولياء اللَّه قال لجبل زل لزال. فتحرك الجبل تحته فوكزه برجله و قال: اسكن فإنما ضربتك مثلا لأصحابى. و كان الجبل أبا قبيس. و ركب مرة سفينة فأخذهم الموج من كل مكان فلف إبراهيم رأسه بكسائه و اضطجع و عج أصحاب السفينة بالضجيج و الدعاء، و أيقظوه و قالوا: ألا ترى ما نحن فيه من الشدة؟ فقال: ليس هذه شدة، و إنما الشدة الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللَّهمّ أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. فصار البحر كأنه قدح زيت. و كان قد طالبه صاحب السفينة بأجرة حمله دينارين و ألح عليه، فقال له: اذهب معى حتى أعطيك ديناريك، فأتى به إلى جزيرة في البحر فتوضأ إبراهيم و صلى ركعتين و دعا و إذا ما حوله قد مليء دنانير، فقال له: خذ حقك و لا تزد و لا تذكر هذا لأحد.
و قال حذيفة المرعشي: أويت أنا و إبراهيم إلى مسجد خراب بالكوفة، و كان قد مضى علينا أيام لم نأكل فيها شيئا، فقال لي: كأنك جائع. قلت: نعم. فأخذ رقعة فكتب فيها بسم اللَّه الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى،
أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر* * * أنا جائع أنا حاسر أنا عاري
هي ستة و أنا الضمين لنصفها* * * فكن الضمين لنصفها يا بارى
مدحى لغيرك وهج نار خضتها* * * فأجر عبيدك من دخول النار
ثم قال لي: اخرج بهذه الرقعة و لا تعلق قلبك بغير اللَّه سبحانه و تعالى، و ادفع هذه الرقعة لأول رجل تلقاه. فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه فلما قرأها بكى و دفع إلى ستمائة دينار و انصرف، فسألت رجلا من هذا الّذي على البغلة؟ فقالوا: هو رجل نصراني. فجئت إبراهيم فأخبرته فقال:
الآن يجيء فيسلم. فما كان غير قريب حتى جاء فأكب على رأس إبراهيم و أسلم. و كان إبراهيم يقول: دارنا أمامنا و حياتنا بعد وفاتنا. فاما إلى الجنة و إما إلى النار. مثل لبصرك حضور ملك الموت و أعوانه لقبض روحك و انظر كيف تكون حينئذ، و مثل له هول المضجع و مساءلة منكر و نكير و انظر كيف تكون. و مثل له القيامة و أهوالها و أفزاعها و العرض و الحساب، و انظر كيف تكون. ثم صرخ صرخة خر مغشيا عليه. و نظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له: لا تطمع فيما لا يكون، و لا تنس ما يكون. فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق؟ فقال: لا تطمع في البقاء و الموت يطلبك، فكيف يضحك من يموت و لا يدرى أين يذهب به إلى جنة أم إلى نار؟ و لا تنس ما يكون الموت يأتيك صباحا أو مساء. ثم قال: أوّه أوّه! ثم خرّ مغشيا عليه. و كان يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى