كتاب الأعلام بأعلام بيت الله الحرام - النهرواني، محمّد بن أحمد بن محمّد - الصفحة ٣٤٢ - فصل فى ذكر بعض مآثر السلطان سليمان خان ، وخيراته وصدقاته الجارية الحسان فى جميع البلاد سيما بلد الله الحرام
فاجتمع المرحوم عبد الباقى بن على العربى قاضى مكة يومئذ والأمير خيري الدين حضر سنجق جدة المعمورة حينئذ وغيرهما من الأعيان ، وتفحصوا وداروا ، وتزملوا واشتاروا ، فأجمع ريهم على أن أقوى العيون عين عرفات ، وطريقها ظاهرة ، وذبولها مبنية إلى بئر زبيدة خلف منى ، وإن الذى يغلب على الظن أن بلوغها من بئر زبيدة إلى مكة مبنية أيضا ، وإنما يحتاج إلى الكشف عنها والفحص إلى أن تظهر ، لأن زبيدة لما بنت الذبول من عرفه إلى بئرها المشهور خلف منى ، جميعها ظاهرة على وجه الأرض ، والباقى أيضا من ذلك المحل إلى مكة مبنى أيضا ، إلا أنه خاف من تحت الأرض ، واستغنى عنها بعين حنين ، وتركت هذه ، ونسيت وطمت ، وغفل عنها ، هكذا ظنوا وخمنوا ، إنهم إذا اتبعوا عين عرفات من أولها ، من الأجر إلى نعمان ثم إلى عرفة ثم إلى مزدلفة ثم إلى بئر زبيدة ، وأصلحوا هذه الذبول الظاهرة ، وكشفوا عنب الباقى ، وبنوا ما وجدوا منهدما ، ورمموا الباقى ، احتاجوا إلى ثلاثين ألف دينار ذهبا ، وزرعوه وقاسوه ، فكان من الأوجر إلى بطن مكة خمسة وثلاثين ألف ذراع بذراع البنائيبن الآن ، وهو أكثر من الذراعي الشرعى ، بقدر ربعه ، وهو الذى تخيلوه فى وجوه بقيةي الذيل تحت الأرض ، لما يوجد فى كتب التاريخ ، وإنما أداهم إلى ذلك الأمر ، مجرد الظن بحسب القرائن ، وعرضوا ذلك إلى الباب الشريف سنة ٩٦٥ ه.
فلما وصل علم ذلك إلى المسامع الشريفة السيلطانية ، التمست صاحبة الخيرات ، أكليلة المخدرات ، تاج المحصنات ملكة المملكات ، قدسية الملكات عليه الذات ، صفية الصفات ذات العلى والسعادات ، حضرة جانم سلطان كريمة حضرة السلطان سليمان (سقى الله عهده صوب الرحمة والرضوان) ، أن يأذن لها فى عمل هذا الخير ، حيث كانت صاحبة الخير أولا أم جعفر زبيدة العباسية ؛ فناسب أن تكون من صاحبة هذا الخير ، فاستشارت الحضرة السلطانية وزراء ديوانها الشريف العالى ، فيمن يصلح لهذه الخدمة الشريفة ، فاتفقت آراؤهم الشريفة على أن هذه الخدمة لا يقوم بها إلا دفتردار مصر ، الأمير الكبير المعظم ، فائض الجود والفضل والكرم ، صاحب السيف