كتاب الأعلام بأعلام بيت الله الحرام - النهرواني، محمّد بن أحمد بن محمّد - الصفحة ٧٤ - بناء الكعبة الشريفة ، وهو أول بنائها
جرهما من البلاد ، ووليت أمر مكة وصاروا أهلها فجاءهم بنو إسماعيل ، وسألوا الخزاعة السكن معهم ، فأذنوا لهم وسألهم فى ذلك مضاض بن عمرو الجرهمى ، وكان قد اعتزل أيضا حرب جرهم وخزاعة ، ولم يدخل بينهم ، واستأذنهم أن يساكنهم ؛ فأبت خزاعة ، وقالوا : من قارب الحرم من جرهم فدمه هدر ، فنزلت إبل لمضاض بن عمرو ودخلت مكة ؛ فأخذتها خزاعة وصارت تنحرها وتأكلها ، فتبع مضاض أثرها فوجدها دخلت مكة ، فسلك الجبال حتى طلع على جبل أبى قبيس ، يتبصر لأهله من بطن وادى مكة ، فأبصر الإبل تنحر وتوكل ولا سبيل إليها ، ورأى إن هبط الوادى قتل ، فولى منصرفا إلى أهله ، وأنشأ يقول :
| كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا | أنيس ولم يسمر بمكة سامر | |
| ولم يتربع واسطا فجنوبه | إلى المنحنا من ذى الأراكة حاضر | |
| بلى نحن كنا أهلها فأبادنا | صروف الليالى والجدود الغوائر | |
| وأبدلنا عنها الأسا دار غربة | بها الذيب يأوى والعدو محاصر | |
| وكنا ولاة البيت من بعد نابت | نطوف بهذا البيت والخير ظاهر | |
| وكنا لإسماعيل صهرا وجيرة | فأبناؤه منا ونحن الأصاهر | |
| فأخرجنا منها المليك بقدرة | كذاك يا للناس تجرى المقادر | |
| وصرنا أحاديث وكنا بغبطة | كذلك عضدتنا السنون الغوائر | |
| وسحت دموع العين تبكى لبلدة | بها حرم أمين وفيها المشاعر | |
| بواد أنيس لا يصاد حمامة | ولا ينفرن يوما لديه العصافر | |
| وفيها وحوش لا تراب أنيسة | إذا خرجت منها فما أن تغادر | |
| فيا لييت شعرى هل تعما بعدنا | جبال وتقضى سيله والظواهر | |
| وهل فرج يأتى بشىء تريده | وهل جذع ينجيك مما تحاذر |