حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٣٩٤ - ذكر من كان بمصر من الفقهاء الحنفية
أصلها فزكت فروعها وأغصانها ، ورياض الآداب التي فاضت ينابيعها وفاحت زهورها وتنوّعت أفنانها. إن أخذ في التفسير كلّ عنده الكشاف واختفى ، أو الحديث كان عن ألفاظه الغريبة مزيل الخفا ، أو الفقه عدّ للنعمان شقيقا ، أو النحو كان للخليل رفيقا ، أو الكلام فلو رآه النظّام اختل نظامه ، ولو أدركه صاحب المواقف لقال : أنت في كلّ موقف مقدّمه وإمامه ، أو الأصول ، ولو جادله السيف لاختفى في غمده ، ولقطع له بالإمامة ولم يقطع بحضرته لكلال حدّه ، أو الإمام الفخر لقال : ما لأحد أن يتقدّم بين يدي هذا الحبر ، وخاطبه لسان حاله : أنت إمام الطائفة ، والرازي على فرقة هي عن الحقّ صادفة ، ولا فخر.
ولد بالإسكندرية في رمضان سنة إحدى وثمانمائة ، وتلا على الزراتيتي وتفقّه بالشيخ يحيى السّيراميّ ، وأخذ النحو عن الشمس الشّطنوفيّ والحديث عن الشيخ وليّ الدين العراقيّ ، ولازم البساطي في المعقول ، وبرع في الفنون ، وسمع الكثير ، وأجاز له العراقيّ والبلقيني والحلاويّ والمراغيّ وغيرهم ، وقرأ الفنون ، وانتفع به الخلق ، وصنّف حاشية على المغني ، وحاشية على الشفا وشرح النقاية في الفقه ، وشرح نظم النخبة لأبيه ، وأرفق المسالك لتأدية المناسك. وطلب لقضاء الحنفية فامتنع. مات في ذي الحجّة سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة.
وقلت أرثيه :
| رزء عظيم به تستنزل العبر | وحادث جلّ فيه الخطب والغير | |
| رزء مصاب جميع المسلمين به | وقلبهم منه مكلوم ومنكسر | |
| ما فقد شيخ شيوخ المسلمين سوى ان | هدام ركن عظيم ليس ينعمر | |
| رزيّة عظمت بالمسلمين وقد | عمّت وطمّت فما للقلب مصطبر | |
| تبكيه عين أولي الإسلام قاطبة | ويضحك الفاجر المسرور والغمر | |
| من قام بالدّين في دنياه مجتهدا | وقام بالعلم لا يألو ويقتصر | |
| كلّ العلوم تناغيه وتنشده | لمّا قضى : مهلا يا أيها البشر | |
| إذ كان في كلّ علم آية ظهرت | وما العيان كمن قد جاءه الخبر | |
| باع طويل يد علياء مع قدم | لها رسوخ سواها ماله ظفر | |
| النقل والعقل حقا شاهدان رضا | بأنّه فاق من يأتي ومن غبروا | |
| أبان علم أصول الدين متّضحا | وكم جلا شبها حارت بها الفكر | |
| وفي الكتاب وفي آياته ظهرت | آياته حين يتلوها ويعتبر | |
| محقّق كامل الآلات مجتهد | وما عسى تبلغ الأبيات والسّطر؟! |