حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ٣٧٠ - ذكر من كان بمصر من الفقهاء الشافعية
ويعظّمه ، ولم يكن يتردّد إلى أحد من الأكابر غيره. وأخبرني بعض القضاة أنّ الوالد دار يوما على الأكابر ليهنئهم بالشهر ، فرجع آخر النهار عطشان ، فقال له : قد درنا في هذا اليوم ولم تحصل لنا شربة ماء ، ولو ضيّعنا هذا الوقت في العبادة لحصل لنا خير كثير ، أو ما هذا معناه ، ولم يهنّئ أحدا بعد ذلك اليوم بشهر ولا غيره. وعيّن مرّة لقضاء مكّة ، فلم يتّفق له. وكان على جانب عظيم من الدّين والتحرّي في الأحكام وعزّة النفس والصّيانة ، يغلب عليه حبّ الانفراد وعدم الاجتماع بالناس ، صبورا على كثرة أذاهم له ، مواظبا على قراءة القرآن ، يختتم كلّ جمعة ختمة ، ولم أعرف من أحواله شيئا بالمشاهدة إلا هذا.
وله من التصانيف : حاشية على شرح الألفية لابن المصنّف ، وصل فيها إلى أثناء الإضافة ، وحاشية على شرح العضد كتب منها يسيرا ، ورسالة على إعراب قول المنهاج : «وما ضبّب بذهب أو فضّة ضبّة كبيرة» ، وأجوبة اعتراضات ابن المقرئ على الحاوي. وله كتاب في التصريف وآخر في التوقيع ؛ وهذان لم أقف عليهما.
توفّي شهيدا بذات الجنّب وقت أذان العشاء ، لليلة الاثنين من صفر سنة خمس وخمسين وثمانمائة. وتقدّم في الصلاة عليه قاضي القضاة شرف الدين المناويّ.
وذكر لي بعض الثقات أنّه قيل له وهو ينتظر الصلاة عليه : لم يبق هنا مثله ، فقال : لا هنا ولا هناك ـ يشير إلى المدينة ـ ودفن بالقرافة قريبا من الشمس الأصفهانيّ. ولصاحبنا الشيخ شهاب الدين المنصوريّ فيه أبيات يرثيه بها وهي :
| مات الكمال فقالوا : | ولّى الحجا والجلال | |
| فللعيون بكاء | وللدّموع انهمال | |
| وفي فؤادي حزن | ولوعة لا تزال | |
| لله علم وحلم | وارته تلك الرّمال | |
| بكى الرّشاد عليه | دما وسرّ الضّلال | |
| قد لاح في الخير نقص | لمّا مضى واختلال | |
| وكيف لم تر نقصا | وقد تولّى الكمال | |
| علومه راسخات | تزول منها الجبال | |
| يقبره العلم ثاو | والفضل والإفضال |
١٩٩ ـ علاء الدين القرقشنديّ [١] عليّ بن أحمد بن إسماعيل. ولد في ذي الحجّة
[١] في شذرات الذهب ٧ / ٢٨٩ : القلقشندي.