حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي - الصفحة ١٢٣ - ذكر مرتبع الجند
هؤلاء؟ قال : يا بنيّ هؤلاء الشرط. فأقام المؤذّنون الصلاة ، فقام عمرو بن العاص على المنبر ، فرأيت رجلا ربعة قصد [١] القامة وافر الهامة ، أدعج أبلج ، عليه ثياب موشيّة ، كأنّ به العقيان [٢] ، تأتلق عليه حلّة وعمامة وجبّة ، فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي ٦ ، ووعظ النّاس ، وأمرهم ونهاهم ، ثمّ قال : يا معشر النّاس إنّه قد نزلت الجوزاء ، وذكت الشّعرى ، وأقلعت السماء ، وارتفع الوباء ، وقلّ النداء ، وطاب المرعى ، ووضعت الحوامل ، ودرجت السخائل ، وعلى الرّاعي حسن النظر لرعيّته ، فحيّ لكم على بركة الله ريفكم ، تنالوا من خيره ولبنه ، وخرافه وصيده ، وأربعوا خيلكم وأسمنوها وصونوها وأكرموها ، فإنها جنّتكم [٣] من عدوّكم ، وبها مغانمكم وأثقالكم ، واستوصوا بمن جاورتموه من القبط خيرا ؛ حدّثنا عمر أمير المؤمنين أنّه سمع رسول الله ٦ يقول : «إنّ الله سيفتح عليكم بعدي مصر ، فاستوصوا بقبطها خيرا ، فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة» ، فعفّوا أيديكم وفروجكم ، وغضّوا أبصاركم ، ولا أعلمنّ ما أتى رجل قد أسمن جسمه ، وأهزل فرسه. واعلموا أنّي معترض بالخيل كاعتراض الرجال ؛ فمن أهزل فرسه من غير علّة حططت من فريضته قدر ذلك. واعلموا أنّكم في رباط إلى يوم القيامة ، لكثرة الأعداء حولكم وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى دياركم ، معدن الزرع والمال ، والخير الواسع والبركة النامية. وحدّثني عمر أمير المؤمنين ، أنّه سمع رسول الله ٦ يقول : «إذا فتح الله عليكم مصر ، فاتّخذوا فيها جندا كثيفا ، فذلك الجند أجناد الأرض» ، فقال له أبو بكر : ولم يا رسول الله؟ قال : «لأنّهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» ، فاحمدوا الله معاشر المسلمين على ما أولاكم ، فتمتّعوا في ريفكم ما طاب لكم ؛ فإذا يبس العود وسخن العمود ، وكثر الذباب ، وحمض اللبن ، وصوّح [٤] البقل ، وانقطع الورد من الشجر ، فحيّ على فسطاطكم ، على بركة الله تعالى وعونه ، ولا يقدمنّ أحد منكم ذو عيال على عياله إلّا ومعه تحفة لعياله على ما أطاق من سعته أو عسرته ؛ أقول قولي هذا وأستغفر الله ، وأستحفظ الله عليكم.
قال : فحفظت ذلك عنه ، فقال والدي : يا بنيّ إنّه يجرّىء الناس إذا انصرفوا إليه على الرّباط كما جرّأهم على الريف والدّعة.
[١] قصد القامة : مستوي القامة.
[٢] العقيان : الذهب الخالص.
[٣] الجنّة : السترة.
[٤] صوّح البقل : يبس.