الدّرّة الثّمينة في أخبار المدينة - أبي عبد الله محمّد بن محمود بن النجّار البغدادي - الصفحة ١٣٢ - الباب الخامس عشر في ذكر وفاة النبي
حتى اشتد به وجعه وهو في بيت ميمونة ، فدعا نساءه وكن تسعا : عائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وسودة وزينب وميمونة وجويرية وصفية رضياللهعنهن ، فاستأذنهن على أن يمرّض في بيت عائشة ، فأذنّ له فخرج رسول الله ٦ يمشي بين العباس وعلي رضياللهعنهما عاصبا رأسه ، تخط قدماه الأرض حتى دخل بيت عائشة ، ثم حمّ رسول الله ٦ واشتد وجعه فقال : هريقوا عليّ من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم ، فأقعدوه ٦ في مخضب وصبوا عليه الماء.
وخرج رسول الله ٦ عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر ، فصلى على أصحاب أحد واستغفر لهم وأكثر الصلاة عليهم ، ثم قال : إن عبدا من عباد الله خيره الله عزوجل بين الدنيا وبين ما عنده ، فاختار ما عنده ، قال : ففهمها أبو بكر ، وعرف أن نفسه يريد وقال : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، ثم قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : يا معشر المهاجرين استوصوا بالأنصار خيرا ، فإن الناس يزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم كانوا عيبتي التي أويت إليها ، فأحسنوا إلى محسنهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ، ثم نزل فدخل بيته وتتامّ به وجعه [١].
وروى البخاري في «الصحيح» من حديث عائشة رضياللهعنها أنها قالت : «ما رأيت أحدا الوجع عليه أشد من رسول الله ٦» [٢].
وفيه أيضا : من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : «دخلت على رسول الله ٦ وهو يوعك ، فقلت : يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا ، قال : أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم» [٣].
ولما اشتد به وجعه ٦ ، جاءه بلال يؤذنه بصلاة الفجر من يوم الاثنين قال : «مروا أبا بكر فليصل بالناس» ، فلما تقدم أبو بكر رضياللهعنه يصلي بالناس ، وجد رسول الله ٦ خفة فخرج على الناس.
[١] أخرجه البخاري برقم (٥٧١٤).
[٢] أخرجه البخاري في المرضى ، باب شدة المرض (٥٦٤٦) ، ومسلم في البر والصلة ، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (٢٥٧٠).
[٣] أخرجه البخاري في المرضى ، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول (٥٦٤٨).