منهج الرشاد في معرفة المعاد - الطالقاني؛ محمد نعيم - الصفحة ١٢٠ - في أبديّة فرد ما من أجزاء العالم
غير المتناهية أبديّة الوجود بنوعها ، فتدبّر.
لا يقال : يمكن أن يكون العلم بالأصلح اقتضى فناء الصادر الأوّل ، بل فناء العالم بجملته في وقت من الأوقات كوقت قيام الساعة بقطع فيض الوجود عنها ، وأن يكون الحكمة في ذلك إظهاره جلّ شأنه عظمته وجبروته وتفرّده بالعزّ والبقاء وقهر خلقه بالموت والفناء كما دلّ عليه الآيات والأخبار ، كقوله تعالى :
(لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ). [١]
لأنّا نقول : إن هذا الإظهار أيضا يقتضي أن يكون هناك من يظهر عليه ذلك ، وهو أيضا من أجزاء العالم كما أنّ قوله : (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) يقتضي أن يكون هناك مملوك ويوم ، وهما أيضا من أجزاء العالم فهذا أيضا يدلّ على أنّه لا ينعدم العالم بجملته ، بل يبقى منه شيء في ذلك الوقت أيضا كما دلّ عليه قوله تعالى :
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللهُ)[٢]
حيث استثنى من شاء الله من ذلك وقد ذكر المفسّرون أنّ المراد بمن شاء الله في الآية الملائكة الأربعة أو الشهداء ، وحينئذ نقول إن كان الصادر الأوّل داخلا في من شاء الله ففيه المطلوب ، وكذا إن لم يكن داخلا فيهم لأنّ دلالة الآية على بقاء بعض من الخلق وأبديّته ظاهرة وهو المطلوب أيضا ، وإن لم يكن ذلك البعض هو الصادر الأوّل.
وبالجملة فهذا الإظهار لا يتوقّف على طروء الفناء على الخلق أجمعين ، ويمكن أن يكون بطروئه على غير المستثنى ولعلّ الصادر الأوّل من المستثنى ، كيف وقد عرفت أنّه أشرف الممكنات ، كما لا يتوقّف على طروء الفناء والعدم بالمرّة على غير المستثنى أيضا ، بل يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى ذوي الأنفس بطروء الموت أي بتلاشي أجزاء أبدانهم ، وقطع علاقة نفوسهم عن أبدانهم ، وبالنسبة إلى الأجسام غير ذوات الأنفس بتبدّل الصور وتغيّر الهيئات والصفات والحالات ونحو ذلك ، كما قال الله تعالى :
(يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ). [٣]
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ). [٤]
[١] غافر : ١٦.
[٢] الزمر : ٦٨.
[٣] الأنبياء : ١٠٤.
[٤] إبراهيم : ٤٨.