الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٧١ - دليل اللطف
الأمر على المصلحة الواقعية مما يجعل هذه المفسدة هباءً منثوراً وكلام أهل السنّة هنا وإن صدر من علمائهم لكنّه عند التأمل ساقط عن درجة الاعتبار, فإنهم زعموا أن الله ترك تعيين الإمام حيث نظر إلى إن تفويض أمر الإمامة إلى الأمّة أصلح من تعيينه للإمام, ونحن نطالبهم بإيراد المصلحة الموجبة لهذا التفويض, فإن زعموا أن الأمّة أعرف وأبصر بالإمام النافع لأمر الدين والدنيا من الله سبحانه, فهو والعياذ بالله كفر, وإن ادّعوا أن الله تعالى علم المصلحة في أن يجعل نصب الإمام بيد الأمّة, فيمضي ما يريدونه ويرونه ويكون الإمام (مَن)[١] يجتمعون عليه, وفائدته إن حماية الدين تحصل في تعيينهم أكثر مما تحصل بتعيينه, وبذلك تُحفَظ بيضة الإسلام وحوزة الشرع عن التشتت خصوصاً[٢] في بدء الإسلام إذ لو كان الإمام على خلاف آرائهم وله كارِهٌ منهم لبعث ذلك على انحراف الكارِه فيختل الإسلام وتتبعض صفقته, ويكون المسلمون شُعبا وقبائل.
فهذه الدعوى أيضاً منظور فيها بل بديهية الفساد, فإن ملخصها إن الأمّة قد لا تطيع الإمام المعيّن مِن الله لأمور نفسانية ألقاها الشيطان في أذهانهم, فاقتضت المصلحة في بدء الإسلام في عدم تعيين خالق الأنام للإمام, وإيكال أمره إليهم ليطيعوه إذا كان برضاهم ولا يختلف عليه اثنان فيكون ذلك أبلــغ في تأييد الشرع والإقدام على الكفـرة في الجهاد وعدم الخلاف, كالمصلحة التي أجازت إعطاء المؤلّفة قلوبهم من سهم الزكاة وهم كفرة مع أنها مشروطة بالقربة, والمعتزلة[٣] من أهل السنّة بعد أن اعترفوا بأن الأمير عليه السلام أفضل من
[١] ورد في الأصل "ما" والصواب ما أثبتناه.
[٢] الأولى أن نعبر (لا سيما) بدل خصوصاً.
[٣] المعتزلة أصحاب واصل
بن عطاء الغزَّال، اعتزل عن مجلس الحسن البصري وأخذ يقرر أن مرتكب الكبيرة ليس
بمؤمن ولا كافر ويثبت له المنزلة بين المنزلتين، فقال الحسن: قد اعتزل عنا واصل.
ويلقبون بالقدرية لاسنادهم أفعال العباد الى قدرتهم، وأنهم قالوا: إن من يقول بالقدر
خيره وشره من الله أولى باسم القدرية، ويرده قوله عليه السلام "القدرية مجوس هذه ï
ð الأمة" وقوله B "هم خصماء الله في القدر". ولقبوا
أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب الأصلح ونفي الصفات القديمة. وقالوا
جميعاً بأن القِدَمَ أخصُّ وصفٍ لله، وبنفي الصفات وبأن كلامه مخلوق محدث وبأنه
غير مرئي في الآخرة، والحسن والقبح عقليان، ويجب عليه رعاية الحكمة في أفعاله
وثواب المطيع والتائب، وعقاب صاحب الكبيرة، ثم افترقوا عشرين فرقة يكفر بعضهم
بعضاً. المواقف: ص٤١٥.