الإمامة - كاشف الغطاء، الشيخ عباس - الصفحة ٤٦ - مناقشة المقدمة الثانية
الدين على نهج واحد, وفي قوله تعالى ]وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا اْلقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[[١] والحديث المتواتر (حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة, وحرامه حرام أبداً الى يوم القيامة)[٢] وأمثاله من السنّة, صراحة بيّنة ودليل قاطع على ما ذكرنا من بقاء الأحكام الواقعية إلى يوم القيامة على ما نزلت ومن البديهيات التي لا تقبل الإنكار إن مِنَ الممتنع المستحيل أن تبقى الشريعة من دون تغيير وتبديل وزيادة ونقصان على نهج زمان نزول الوحي وعصر حضرة الرسالة إلى أبد الآباد بلا حافظ رباني, وعالم حقاني يتلقى الأحكام من مصادرها ومواردها, ويعرف محكمها ومتشابهها, وبالجملة إن الله تعالى إذا جرى في علمه إرادة بقاء الشريعة على ما هي عليه من غير تغيير وتبديل يلزمه عقلا أن يعيّن لذلك عالماً معصوماً من الزلل في جميع الأعصار حتى تتم الحجة في ما أراد وإلاّ يلزم الحكم بعدم إرادته لذلك, ولا يُعقَل القول بأن إرادة ذلك مع عدم النصب يجتمعان, إذ ذلك أمر لا يمكن اجتماعه في المخلوق فضلا عن الخالق.
ولو ادّعى الخصم بأن التغيير والتبديل من لوازم الاجتهاد, والاجتهاد واقع في عصر النبي ٥, ومعمول به بالبداهة واعتقاد أهل السنّة على جواز اجتهاد الرسول في الجزئيات, فكيف بسفرائه وأُمنائِه في الأصقاع والبلدان؟ ومنه يظهر أن التأبيد المذكور في الخبر لحرامه وحلاله يجتمع مع التغيير والتبديل الاجتهادي, ولا منافاة بينهما, فالمراد بالتأبيد بقاء الكتاب المجيد والأخبار المتواترة والفروع الضرورية. وأمّا غيرها من الجزئيات (فيرجع)[٣] فيها من له قابلية الاجتهاد إليه في جميع الأعصار من العلماء وحفظة الأحاديث.
والحاصل أن أحكام الله تُطلب وتُراد مِن الأمّة في الأزمنة المتأخرة على نحو
[١] سورة الأنعام: آية ١٩.
[٢] الكافي، ثقة الإسلام الكليني: ج١، ص٥٨.
[٣] ورد في الاصل "يرجع" والصواب ما أثبتناه.