الرد على مسايل موسى جار اللَّه - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ٦١ - المقام الثاني في أدلة جواز لعن يزيد بخصوصه
المؤمنين، و هتكت أعراضهم و انتهبت أموالهم. نعم اعتذر عن ذلك ابن تيمية في كتابه منهاج السنة بأن عامله مسرف بن عقبة لعنة الله عليه لم يقتل جميع الأشراف، و لا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، و لا وصلت الدماء إلى قبر النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم، و لا إلى الروضة، و لا كان القتل في المسجد و إنه إنما أرسل إليهم مسلم بن عقبة لعنه الله و أمره إذا ظهر عليهم أن يبيح المدينة ثلاثة أيام لأنهم امتنعوا عن إطاعته و خلعوه إلى آخره[١]. و أما واقعة حرق الكعبة و حصار مكة و ضرب الكعبة الشريفة بالمنجنيق و رميها بالنار و الحجارة فهو أيضا مشهور لا يمكن إنكاره، و قد اعتذر عن ذلك أيضا ابن تيمية (بأن نائب يزيد إنما قصد حصار ابن الزبير، و الضرب بالمنجنيق كان له لا للكعبة، و يزيد لم يهدم الكعبة، و لم يقصد إحراقها لا هو و لا نوابه باتفاق المسلمين)[٢] انتهى.
فتأمل هذا العذر البارد السخيف، فإن رمي ابن الزبير و إحراقه إذا كان يستلزم رمي الكعبة و إحراقها كان من الواجب تركه و الإعراض عنه، فإن إهانة الكعبة الشريفة محرمة بالإجماع سواء قصدت أولا و بالذات أو ثانيا و بالعرض، بل لعل ذلك من موجبات الكفر و الارتداد كإهانة المصحف الشريف و إحراقه و لا فرق في ذلك بين الفاعل و الآمر بل السبب هنا أقوى من المباشر لأنه الفاعل حقيقة و المباشرون بمنزلة الآلات.
و قد أصر ابن تيمية على (أنّ الكعبة لم يتمكن أحد من إهانتها لا قبل الإسلام و لا بعده)[٣] و غرضه من هذه الدعوى هو الذب عما ينسب إلى يزيد من هدمها و إحراقها بقصد إهانتها، ثمّ ذكر أنّ النار كانت قد أصابت بعض ستائرها، و أورد ما في صحيح مسلم عن عطاء بن أبي رباح قال: (لما أُحرق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن
[١] ينظر: منهاج السنة النبوية/ ابن تيمية: ٢٥٣/ ٢
[٢] المصدر نفسه: ٢٥٤/ ٢
[٣] منهاج السنة النبوية/ ابن تيمية: ٢٥٣/ ٢