رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨ - الأمر الخامس

وليت شعري ما معنى قوله: «معجز القوى» وهل نقول إلّاأنّ القرآن أعجز البشر عن الإتيان بمثله، فما هو ربط القوى التي منها الباطشة والسامعة واللامسة والشامّة والهاضمة والجاذبة؟! ولئن كان هذا اللفظ صحيحاً فالغلط ما هو؟!
وما هو المعنى في تقديم المفعول في قوله: «معجزة اللََّه ترى» فهل من يسير في صبح الهدى تنحصر رؤيته بمعجزة اللََّه؟! فما تقديم المفعول هنا إلّامن سخيف التكلّم بالعربية، بل إنّ مراده لا يصحّ إلّابتقديم «ترى» التي يلزم جزمها بحسب مراده فإبقاؤها على الرفع غلط، إلّاأن يقول: إنّ جملتها لغو لا يرتبط بالكلام!
وقوله: «كنشر الميّت وبرء ذي العمى» يريد به معجزات المسيح التي تذكرها الأناجيل، ولا يخفى أنّ المتفاهم من نشر الموتى لا يعمّ الإحياء المذكور في الأناجيل، بل هو إحياء ما تفرّقت أوصاله وبليت صورته.
وقوله: «برء ذي العمى» لا يفهم منه البرء من العمى إلّابلعلّ وليت، ولو قال: «برء العمى» لصحّ كلامه. فلفظة «ذي» لغو زائد يعود بالكلام إلى الخلل.
وقوله: «ودينه الحقّ والسوى» إن أراد بواوه العطف على «معجزة اللََّه» فهو واهٍ مختلّ بسبب الفاصلة الأجنبية، وإن أراد الاستئناف فعلى مَ يعود الضمير في «دينه»؟! وماذا يكون موقع «السوى»؟! فإنّه وإن قيل: إنّه بمعنى العدل - من المساواة - لكنّه لم يرد في الصحيح من الكلام إلّاوصفاً، أو مضافاً إلى الموصوف فلا يصحّ عطفه على الخبر ابتداءً.
هذه أغلاط هذا الكلام، وأمّا ركاكته وسخافة نظمه فأمرها موكول إلى وجدان العارف بمجد الكلام العربي في بلاغته، ودع «حسن الإيجاز» يكثر في تمجيد هذا الكلام كما كتبه.
ومنه ما توهّم‌ من منافاة التكرار في القرآن الكريم للبلاغة، ولا يخفى - على من له أقلّ إلمام بالفهم - أنّ للعرب وغيرهم في تكرار ما يعتنى بشأنه مقاماً راقياً ـ