الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٤٦٠ - باب فى تجاذب المعانى والإعراب
|
لسنا كمن حلّت إياد دارها |
تكريت ترقب حبّها أن يحصدا [١] |
فـ (إياد) بدل من (من) ، وإذا كان كذلك لم يمكنك أن تنصب (دارها) ب (حلّت) هذه الظاهرة ؛ لما فيه من الفصل ، فحينئذ ما تضمر له فعلا يتناوله ، فكأنه قال فيما بعد : حلّت دارها. وإذا جازت دلالة المصدر على فعله ، والفعل على مصدره ، كانت دلالة الفعل على الفعل الذى هو مثله ، أدنى إلى الجواز ، وأقرب مأخذا فى الاستعمال. ومثله قول الكميت فى ناقته :
|
كذلك تيك وكالناظرات |
صواحبها ما يرى المسحل [٢] |
أى وكالناظرات ما يرى المسحل صواحبها. فإن حملته على هذا كان فيه الفصل المكروه. فإذا كان المعنى عليه ، ومنع طريق الإعراب منه أضمر له ما يتناوله ، ودلّ (الناظرات) على ذلك المضمر. فكأنه قال فيما بعد : نظرن ما يرى المسحل ؛ ألا تراك لو قلت : كالضارب زيد جعفرا وأنت تريد : كالضارب جعفرا زيد لم يجز ؛ كما أنك لو قلت : إنك على صومك لقادر شهر رمضان ، وأنت تريد : إنك على صومك شهر رمضان لقادر ، لم يجز شيء من ذلك للفصل.
وما أكثر استعمال الناس لهذا الموضع فى محاوراتهم وتصرّف الأنحاء (فى كلامهم)! وأحد من اجتاز به البحترىّ فى قوله :
|
لا هناك الشّغل الجديد بحزوى |
عن رسوم برامتين قفار [٣] |
فـ (عن) فى المعنى متعلّقة (بالشغل) أى لا هناك الشغل عن هذه الأماكن ؛ إلا أن الإعراب مانع منه ، وإن كان المعنى متقاضيا له. وذلك أن قوله : (الجديد) صفة للشغل ، والصفة إذا جرت على الموصوف آذنت بتمامه ، وانقضاء أجزائه. فإن ذهبت تعلّق (عن) بنفس (الشغل) على ظاهر المعنى ، كان فيه الفصل بين الموصول وصلته ؛ وهذا فاسد ؛ ألا تراك لو قلت : عجبت من ضربك الشديد عمرا لم يجز ؛
[١]البيت من الكامل ، وهو للأعشى فى ديوانه ص ٢٨١ ، ولسان العرب (كرت) ، (منن) ، ومغنى اللبيب ٢ / ٥٤١.
[٢] المسحل : الحمار الوحشى.
[٣] من قصيدته فى مدح أبى جعفر بن حميد. وقبله :
|
أبكاء فى الدار بعد الديار |
وسلوّا بزينب عن نوار (نجار). |