عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٤٢ - (الفصل السادس عشر فى الإنسان)
الإنسان حتى يكون ما يشاكل فيها نفس تلك الماهيّة. و هذا يظهر بأدنى تأمّل. و الحسّ كأنه نزع تلك الصورة عن المادة أخذها فى نفسه، لكن نزع إذا غابت المادة غاب، و نزع مع العلائق العرضيّة المادّية. فإذن لا مخلص للحسّ إلى مجرّد الصورة.- و أما الخيال فانه قد يجرّد الصورة تجريدا أكبر من ذلك، و ذلك أنه يستحفظ الصورة و إن غابت المادّة. لكن ما يتراءى للخيال من الصورة المأخوذة عن الإنسان مثلا لا تكون مجردة عن العلائق المادّية، فانّ الخيال ليس يتخيّل صورة إلّا على نحو ما من شأن الحسّ أن يؤدّى إليه.- و أما الوهم فإنه و إن استثبت معنى غير محسوس فلا يجرّده إلّا متعلقا بصورة خيالية.
فإذن لا سبيل لشىء من هذه القوى أن يتصوّر ماهية شيء مجردة عن علائق المادّة و زوائدها إلا للنفس الإنسانية، فانها التي تتصوّر كل شىء بحدّه كما هو منقوصة عنه العلائق المادّية، و هو المعنى الذي من شأنه أن يوقع على كثيرين كالإنسان من حيث هو إنسان فقط. فإذا تصوّر هذه المعانى تعدّى التصور إلى التصديق بأن يؤلّف منها على سبيل القول الجازم. فالشيء فى الإنسان الذي تصدر عنه هذه الأفعال يسمى نفسا ناطقة؛ و له قوّتان: إحداهما معدّة نحو العمل و وجهها إلى البدن و بها يميّز بين ما ينبغى أن يفعل و بين ما لا ينبغى أن يفعل، و ما يحسن و يقبح من الأمور الجزئية- و يقال له العقل العملىّ، و يستكمل فى الناس بالتجارب و العادات؛ و الثانية قوّة معدة نحو النظر و العقل الخاص بالنفس و وجهها إلى فوق، و بها ينال الفيض الإلهى. و هذه القوة قد تكون بعد بالقوة لم تفعل شيئا و لم تتصوّر، بل هى مستعدة لأن تعقل المعقولات، بل هى استعداد ما للنفس نحو تصوّر المعقولات- و هذا يسمّى العقل بالقوة و العقل الهيولانى. و قد تكون قوة أخرى أخرج منها إلى الفعل، و ذلك بأن تحصل