عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٤١ - (الفصل السادس عشر فى الإنسان)
ففعل ليس يصدر عن مجرّد ذاتها. و أما الإدراك الخاصّ ففعل يصدر عن مجرّد ذاتها من غير حاجة إلى البدن. و لنفسّر كل واحد من هذه:
فأما الأفعال التي تصدر عنها بمشاركة البدن و القوى البدنيّة: فالتعقّل و الروية فى الأمور الجزئية فيما ينبغى أن يفعل و ما لا ينبغى أن يفعل بحسب الاختيار.
و يتعلق بهذا الباب استنباط الصناعات العملية و التصرف فيها كالملاحة و الفلاحة و الصباغة و النجارة.
و أما الانفعالات فأحوال تتبع استعدادات تعرض للبدن مع مشاركة النفس الناطقة، كالاستعداد للضحك و البكاء و الخجل و الحياء و الرحمة و الرأفة و الأنفة و غير ذلك.
و أما الذي يخصها- و هو الإدراك- فهو التصوّر للمعانى الكلية. و بنا حاجة أن نصوّر لك كيفية هذا الإدراك فنقول: إن كل واحد من أشخاص الناس مثلا هو إنسان، لكن له أحوال و أوصاف ليست داخلة فى أنه إنسان، و لا يعرى هو منها فى الوجود مثل حدّه فى قدّه و لونه و شكله و الملموس منه و سائر ذلك- فإن تلك كلها، و إن كانت إنسانية، فليست بشرط فى أنه إنسان، و إلا لتساوى فيها كلها أشخاص الناس كلهم. و مع ذلك فإنّا نعقل أن هناك شيئا هو الإنسان. و بئس ما قال من قال: إن الإنسان هو هذه الجملة المحسوسة! فانّك لا تجد جملتين بحالة واحدة. و هذه الأحوال الغريبة تلزم الطبيعة من جهة قبول مادتها صورتها: فان كلّ واحد من أشخاص الناس تتفق له مادة على مزاج و استعداد خاصّ. و كذلك يتفق له وقت و زمان و أسباب أخرى تعاون على إلحاق هذه الأحوال للماهيات من جهة موادّها. ثم الحسّ- إذا أدرك الإنسان- فإنه تنطبع فيه صورة ما للإنسان [١٥ ب] من حيث هى مخالطة هذه الأعراض و الأحوال الجسمانية. و لا سبيل لها إلى أن ترتسم فيها مجرّد ماهية