عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٢١ - (الفصل الرابع الجهة)
لم تكن الجهة موجودة لشىء [١]: فالعلو و السفل و ما أشبه ذلك محدودة الأطراف و لا محالة أن حدّه بخلاء أو ملاء، و ستعلم أنه لا خلاء فهو إذن ملاء. و ما يحدّ الجهة قبل الجهة؛ و لو كانت الجهات متحدّدة فجسم واحد تكون إليه غاية قرب و غاية بعد محدودين. فإذا [٢] الأجسام التي تحتاج إلى [٧ ا] جهات متحدّدة تحتاج إلى تقدم وجود هذا الجسم لها، و أن يكون اختلاف جهاتها بالقرب منه و البعد منه ليس فى جانب دون جانب منه إذ لا تختلف جوانبه بالطبع، فيجب إذا أن تكون [٣] حاله فى إثبات الجهة حال مركز أو محيط، لكن المركز يحدّد القرب و لا يحدّد البعد، لأن المركز الواحد يصلح مركزا لدوائر مختلفة الأبعاد، فيجب أن يكون على سبيل المحيط، فان المحيط الواحد كما يحدد القرب منه كذلك يحدّد البعد عنه، و هو المركز الواحد المعيّن. و يجب أن يكون هذا الجسم غير مفارق لموضعه و إلّا فيحتاج إلى جسم آخر تتحدد به الجهة التي يحتاج إليها إذا أعيد إلى موضعه بطبعه أو غير طبعه. فإذن لا يكون لهذا الجسم مبدأ حركة مستقيمة لا بالقسر و لا بالطبع. و الأجسام المستقيمة الحركة فانها تحتاج إلى جهات، و تكون جهاتها مختلفة بالقياس إليه: فمنها ما هو أخذ [٤] نحوه فيكون متحركا من الوسط إلى المحيط، و منها ما يأخذ بالبعد عنه [٥] فيكون من نحو المحيط إلى المركز.
و لا يجوز أن يكون هذا الجسم مؤلفا من أجسام أقدم منه، فانها تكون حينئذ قابلة للحركة المستقيمة، فيكون حينئذ محتاجا إلى جهات محصّلة، فتكون الجهات موجودة دون وجود هذا الجسم و قبل تركيبه- و هذا خلف.
[١] كذا فى شرح الفخر الرازى (ص ٦٩ ب).
و فى ص: فلو كان حده التعنت إلى الجهة لم تحصل جهة لم تكن الجهة موجودة.
و فى ب: فلو كان كلما أمعنت إلى الجهة لم تحصل جهة، لم تكن الجهة موجودة.
[٢] ص: فإن.
[٣] ب: أن تكون تلك حاله فى إثبات ...
[٤] كذا فى ب؛ و فى ص: ما يأخذو نحوه
[٥] ب: و إما إلى جهة يأخذ بالبعد عنه.