عيون الحكمة - ابن سينا - الصفحة ٣٦ - (الفصل الثالث عشر فى الحيوان)
محركة. و القوّة المدركة: أما فى الظاهر فهى هذه الحواسّ الخمس، و أما فى الباطن فالحسّ [١] المشترك و المصوّرة و المتخيّلة و المتوهّمة و المتذكّرة.
فأوّل الحواسّ و أوجبها للحيوان و الذي به يكون الحيوان حيوانا من بين سائر الحواسّ هو اللمس، و هو قوة من شأنها أن تحسّ بها الأعضاء الظاهرة بالمماسّة كيفيات الحر و البرد و الرطوبة و اليبوسة و الثقل و الخفّة و الملاسة و الخشونة و سائر ما يتوسّط بين هذه و يركّب منها. ثم قوة الذوق و هى مشعر المطاعم، و عضوها اللسان؛ ثم قوة الشّم، و هى مشعر الروائح، و عضوها جزءان من الدماغ فى مقدّمه شبيهان بحلمتى الثدى. ثم قوة السمع، و هى مشعر الأصوات، و عضوها العصبة المنغرسة على سطح باطن الصّماخ. ثم قوة البصر و هى مشعر الألوان، و عضوها الرطوبة الجليدية فى الحدقة.
و كل واحد من هذه المشاعر فان المحسوس يتأدى إليها: أما الملموس فيكون بلا واسطة غريبة، بل بالمماسّة؛ و أما المطعوم فبتوسّط الرطوبة. و قد غلط من ظن أن الإبصار يكون بخروج شىء من البصر إلى المبصرات يلاقيها، فإنه إن كان جسما امتنع أن يكون فى بصر الإنسان جسم يبلغ من مقداره أن يلاقى نصف كرة العالم و ينبسط عليها. ثم إنه مع ذلك إن كان متصلا بالبصر فهو أعظم، و إن كان منفصلا لم يتأدّ مدركه إلى البصر؛ و إن كان متصلا، وجب أن يكون غير تام الاتصال، إذ لا يدخل جسم فى جسم فتكون تأديته محالة لانقطاعه [٢]، أو يكون ما يتخلله من الهواء يؤدى فلا يحتاج إلى خروجه؛ و إن كان عرضا كان من العجب أن يخرج عرض عن جسم إلى جسم آخر. و أيضا إن كان جسما فإما أن تكون حركته بالطبع أو بالإرادة: فان كان بارادة كان لنا
[١] ص: و هى الحس.
[٢] ص: بلا انقطاعه. ب: محالة لانقطاعه.