ليلة القدر معراج الصالحين - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢ - فيا ترى؛ أية ليلة هذه؟
قالوا: معناه لأجل كل أمر، أو بكل أمر. فالملائكة- حسب هذا التفسير- يأتون لتقدير كل أمر، ولكن أليس الله قد قدر لكل أمر منذ خلق اللوح وأجرى عليه القلم؟ بلى؛ إذاً فما الذي تتنزّل به الملائكة في ليلة القدر؟ يبدو أن التقديرات الحكيمة قد تمت في شؤون الخلق، ولكن بقيت أمور لم تحسم وهي تقدر في كل ليلة قدر لأيام عام واحد، فيكون التقدير خاصاً ببعض جوانب الأمور، وليس كل جوانبها. بلى؛ فالتقديرات جميع الأمور، ولكن من كل أمر جانباً. وهكذا يكون حرف" من" للتبعيض وهو معناه الأصلي، وهو أيضاً ما يستفاد من النصوص المأثورة في هذا الحقل.
سأل سليمان المروزي الإمام الرضا عليه السلام وقال: ألا تخبرني عن إنَّا أنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ القَدْر في أي شيء نزلت؟ قال:" يا سليمان؛ ليلة القدر يقدر الله عز وجل فيها ما يكون من السنة الى السنة، من حياة أو موت، أو خير أو شر أو رزق. فما قدره الله في تلك الليلة، فهو من المحتوم". [١]
وهكذا تختلف بصائر الوحي عن تصورات البشر، فبينما يزعم الإنسان أنه مجبور لا أثر لمشيئته في حياته يعطيه الوحي قيمة سامية، حيث يجعله قادراً على تغيير مجمل حياته؛ من سعادة وشقاء، وخير وشر، ونفع وضر .. كل ذلك بإذن الله، وعبر الدعاء الى الله في ليلة القدر.
إن البشرية في ضلال بعيد عن حقيقة المشيئة، فهم بين من ظن أنه صاحب القرار، وقد فوض الله الأمور إليه تفويضاً مطلقاً، فلا ثواب ولا
[١] تفسير نور الثقلين، ج ٥، ص ٦٣٠.