الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ
قُلُوبُهُمْ عَلَى هَذِهِ الدَّوْلَةِ المُبَارَكَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرِّضَا عليه السلام وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الشُّرُوطِ فِي دُخُولِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ المَأْمُونُ: إِنَّمَا أُرِيدُ بِهَذَا أَنْ يَرْسُخَ فِي قُلُوبِ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ وَالشَّاكِرِيَّةِ هَذَا الْأَمْرُ؛ فَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهُمْ وَيُقِرُّوا بِمَا فَضَّلَكَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَادُّهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ قَالَ:
يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! إِنْ أَعْفَيْتَنِي مِنْ ذَلِكَ فَهُوَأَحَبُّ إِلَيَّ، وَإِنْ لَمْ تُعْفِنِي خَرَجْتُ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه واله وَكَمَا خَرَجَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام.
قَالَ المَأْمُونُ: اخْرُجْ كَمَا تُحِبُّ. وَأَمَرَ المَأْمُونُ الْقُوَّادَ وَالنَّاسَ أَنْ يُبَكِّرُوا إِلَى بَابِ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام، فَقَعَدَ النَّاسُ لِأَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فِي الطُّرُقَاتِ وَالسُّطُوحِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَاجْتَمَعَ الْقُوَّادُ عَلَى بَابِ الرِّضَا عليه السلام.
فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ الرِّضَا عليه السلام فَاغْتَسَلَ وَتَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ مِنْ قُطْنٍ وَأَلْقَى طَرَفاً مِنْهَا عَلَى صَدْرِهِ وَطَرَفاً بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَتَشَمَّرَ، ثُمَّ قَالَ لِجَمِيعِ مَوَالِيهِ: افْعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ عُكَّازَةً وَخَرَجَ وَنَحْنُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَحَافٍ قَدْ شَمَّرَ سَرَاوِيلَهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ مُشَمَّرَةٌ.
فَلَمَّا قَامَ وَمَشَيْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَخُيِّلَ إِلَيْنَا أَنَّ الْهَوَاءَ وَالْحِيطَانَ تُجَاوِبُهُ، وَالْقُوَّادُ وَالنَّاسُ عَلَى الْبَابِ قَدْ تَزَيَّنُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ وَتَهَيَّئُوا بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ، فَلَمَّا طَلَعْنَا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الصُّورَةِ حُفَاةً قَدْ تَشَمَّرْنَا وَطَلَعَ الرِّضَا وَقَفَ وَقْفَةً عَلَى الْبَابِ وَقَالَ:
«اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا رَزَقَنَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَبْلَانَا»، وَرَفَعَ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَرَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا.