الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - الفصل الأول وَجَاءَ المولُودُ المَيمُونُ
فظن الجلودي أنه يُعين عليه، فأقسم على المأمون ألَّا يقبل قوله. فَقَالَ المَأْمُون: لا وَاللهِ لَا أَقْبَلُ فِيك، وأَمَرَ بضرِب عُنُقُهُ [١]
. وكان سخياً كريماً.
وكان من آدابه في الصدقات أنه إذا جلس للأكل أُتِيَ بِصَحْفَةٍ فَتُوضَعُ قُرْبَ مَائِدَتِهِ فَيَعْمِدُ إِلَى أَطْيَبِ الطَّعَامِ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئاً، فَيُوضَعُ فِي تِلْكَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهَا لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة:
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [٢]، ثُمَّ يَقُولُ:
«عَلِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لَيْسَ كُلُّ إِنْسَانٍ يَقْدِرُ عَلَى عِتْقِ رَقَبَةٍ فَجَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى الجَنَّةِ بِإِطْعَامِ الطَّعَام (عبر الإطعام)» [٣]
. وَفَرَّقَ عليه السلام بِخُرَاسَانَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ: إِنَّ هَذَا لَمَغْرَمٌ، فَقَالَ عليه السلام:
«بَلْ هُوَ المَغْنَمُ، لَا تَعُدَّنَّ مَغْرَماً مَا ابْتَعْتَ بِهِ أَجْراً وَكَرَماً» [٤]
. وكان إذا أعطى أحداً سعى ألَّا يذهب بهاؤه ولا يُراق ماء وجهه. والقصة التالية تعلمنا كيف نجعل صدقاتنا خالصة لوجه الله لا منّة فيها ولا استعلاء.
يروي الْيَسَعِ بْنِ حَمْزَةَ وَيَقُوْلُ: «كُنْتُ أَنَا فِي مَجْلِسِ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أُحَدِّثُهُ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَسْأَلُونَهُ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ طُوَالٌ آدِمٌ فَقَالَ لَهُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، رَجُلٌ مِنْ مُحِبِّيكَ وَمُحِبِّي آبَائِكَ وَأَجْدَادِكَ عليهم السلام، مَصْدَرِي مِنَ الْحَجِّ وَقَدِ افْتَقَدْتُ
[١] في رحاب أئمة أهل البيت، ص ١٠٨ سيرة الرضا.
[٢] سورة البلد، الآية: ١١.
[٣] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ٩٧.
[٤] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٠٠.