الإمام الرضا عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠ - الفصل الثَّاني الإِمَامُ وَعَصْرُهُ

مِنْ ذُنُوبِي وَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَسْتَجِيرَ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَرْتُ بِهَذَا الْبَيْتِ- وَأَشَارَ إِلَى بَيْتٍ- تُكْنَسُ وَصَبَبْتُ عَلَيَّ المَاءَ، وَلَبِسْتُ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ، وَصَلَّيْتُ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأْتُ فِيهَا مِنَ الْقُرْآنِ مَا حَضَرَنِي، وَدَعَوْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَاسْتَجَرْتُ بِهِ وَعَاهَدْتُهُ عَهْداً وَثِيقاً بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، إِنْ أَفْضَى اللهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَيَّ وَكَفَانِي عَادِيَتَهُ وَهَذِهِ الْأُمُورَ الْغَلِيظَةَ أَنْ أَضَعَ هَذَا الْأَمْرَ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيه.

ثُمَّ قَوِيَ فِيهِ قَلْبِي، فَبَعَثْتُ طَاهِراً إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَرَدَدْتُ هَرْثَمَةَ إِلَى رَافِعِ بْنِ أَعْيَنَ فَظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَبَعَثْتُ إِلَى صَاحِبِ السَّرِيرِ فَهَادَنْتُهُ وَبَذَلْتُ لَهُ شَيْئاً حَتَّى رَجَعَ، فَلَمْ يَزَلْ أَمْرِي يَقْوَى حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ مَا كَانَ، وَأَفْضَى اللهُ إِلَيَّ بِهَذَا الْأَمْرِ وَاسْتَوَى لِي.

فَلَمَّا وَافَى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي بِمَا عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ أَحْبَبْتُ أَنْ أَفِيَ للهِ تَعَالَى بِمَا عَاهَدْتُهُ، فَلَمْ أَرَ أَحَداً أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام فَوَضَعْتُهَا فِيهِ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا إِلَّا عَلَى مَا قَدْ عَلِمْتَ فَهَذَا كَانَ سَبَبَهَا» [١]

. ولعل هذا السبب كان أيضاً من الدواعي المساعدة إلَّا أن أبرز العوامل التي دفعته إلى ذلك كانت الظروف السياسية التي أشرنا إليها حيث كانت علاقته بالعباسيين سيئة لقتله أخاه أميناً، كما أن القيادات العربية لم تكن راضية عنه بسبب تفضيله الصارخ للقيادات الفارسية، أما أنصار البيت العلوي فقد رأوا ووجدوا الفرصة مؤاتية للانتقام من السلطة العباسية الغاشمة، وانتفضوا في كل مصر. فماذا بقي له من فرص الاستمرار في السلطة؟


[١] بحار الأنوار، ج ٤٩، ص ١٣٧- ١٣٨.