الإمام الحسن عليه السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - بعد فقد الرسول
انحدارهم إلى هوة الضلال بعد انتشالهم عنها، ورجوعهم إلى مفاسد الجاهلية، بعد تخلّصهم منها، لذلك حزن واشتد حزنه.
وذات يوم دخل المسجد فرأى الخليفة الأول يخطب في الناس على منبر جده، بل أبيه، فثارت في فؤاده لوعة وكآبة، فانقلبت إلى غيظ وسخط، فاخترق الجميع حتى بلغ المنبر قائلًا: انْزِلْ، انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِيْ ..
فسكت الخليفة الأول وكرَّر الحسن عليه السلام يقول- وقد تقدم إلى المنبر شيئاً-: انْزِلْ، إِيَّاكَ أَعْنِيْ. فقام صحابي، وضمّ الحسن عليه السلام إلى نفسه يُسكت عنه الروع، وساد الصمت حيناً، ثم اخترقه الخليفة الأول وهو يقول: صدقتَ فمنبر أبيك، ولم يزد شيئاً. ولكنه عاتب عليًّا عليه السلام بعد ذلك وقد ظن أنه أثار الحسن عليه، بيد أن الإمام عليه السلام حلف له أنه لم يفعل.
ونلتقي بالحسن عليه السلام بعد هذا الحادث بثلاث وعشرين سنة حينما اندلعت الثورة الجامحة من المسلمين تطالب الخليفة الثالث بخلع نفسه من الخلافة، والثورة كانت تضطرم شيئاً فشيئاً، وينضم إليها المسلمون أفواجاً وأفواجاً، وقد اشتد بهم الحنق على سياسة الخليفة وسلوك تابعيه، وكانت الثورة تنقاد بأمر العظماء من أصحاب الرسول صلى الله عليه واله وزعماء المسلمين، أمثال عمار بن ياسر، ومالك بن الحارث (الأشتر)، ومحمد بن أبي بكر، غير أنه انضوى تحت ألويتهم عدة غير قليلة من سواد الشعب من العراق، ومصر وطائفة من الأعراب، ولم يكن هؤلاء- طبعاً- ذوي سداد في الرأي، وحنكة في التجربة بل أُولي نخوة ومصالح. واشتد أمر الثورة، حتى حاصروا دار عثمان يطالبونه: إما أن يخلع نفسه وإما أن يُلبِّي دعوتهم. وأبى عثمان إلَّا الاعتماد على جيش معاوية، الذي استنجده، وذلك الجيش كان قد أمره معاوية