فاطمة الزهرا عليها السلام: قدوة و أسوة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩ - الفصل الثَّاني الشَّجَرةُ المُبَارَكةُ
ولقد شاهدت فاطمة عليها السلام- بعدما أُفرج عن المسلمين من حصار شِعب أبي طالب- أباها ذات مرة، وقد ألقت قريش سَلَا الجزور على رأسه، وهو ساجد يُصلي لربّه، فجاءت وطرحت السَّلَا عن رأس والدها، وقد أخذ منها الحزن والتأثر، مأخذاً بليغاً.
ولقد شاهدت أباها أيضاً وهو مهاجر إلى الطائف، مُبلِّغ في أهلها دعوة الله، ولم يستجب له أحد.
كما شاهدت ذلك اليوم الذي كانت أمُّها خديجة عليها السلام تضطرب على فراش الموت وتلفظ أنفاسها الأخيرة، وهي لا تملك من مال الدنيا شيئاً، بعدما كانت تجارتها تملأ سهول الحجاز وبطاحها، حتى إذا استجابت دعوة ربها، لم تملك حتى ما تُكفَّن به.
نعم لقد لاحظت فداءَ أمِّها خديجة للدِّين، وتفانيها في سبيله، ودفاعها عنه بكل ما كان لديها من القوة والإمكانات، فتأثرت بذلك، وطُبعت في نفسها معانٍ حيّة، بقيت في ضميرها تبعث الحيوية والنشاط في سبيل الدين.
فكانت كآبة وفاةِ أمِّها، تمتزج في قلبها ببطولات خديجة، لا لكونها أمًّا لها فقط، بل بوصفها أمًّا للمؤمنين والمؤمنات
أيضاً، بوصفها مدافعةً عن الحق، ومضحيةً في سبيله بكل شيء.
ولقد كانت فاطمة عليها السلام تعيش في السنين الأولى من حياتها، التجارب التي قلَّما اتفقت لأحد أن يعيشها في التاريخ.
إنها سايرت الدعوة، في معركتها العنيفة، وهي في قلب المعركة؛ لأنها كانت، بنت قائد المعركة، وهو النبي صلى الله عليه واله، فلذلك كانت تدور أينما دارت المعركة وتعيش وفق ما عاشت.
لم يذكر التاريخ عن حوادث تتعلق مباشرة بفاطمة عليها السلام أثناء وجودها في مكة، إلَّا أننا واثقون من أن حياتها فيها لم تكن خالية عن الأذى. ولقد بغلت الصَّلافة بقريش الكافرة مبلغاً يدل على أنهم كانوا يتعرضون لأذى أهل النبي صلى الله عليه واله كتعرضهم لأذى النبي صلى الله عليه واله نفسه