بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٤٥٤ - صحيفة إدريس النبي عليه السلام من صحيفة الأولى - إلى - التاسعة والعشرون
ضلت الافهام في جبروته، وتحيرت الأوهام في ملكوته، فلا وصول إليه إلا به ولا ملجأ منه إلا إليه، ذلكم الله رب العالمين.
الصحيفة النانية صحيفة الخلق فازيا أخنوخ من عرفني، وهلك من أنكرني، عجبا لمن ضل عنى وليس يخلو في شئ من الأوقات مني، كيف يخلوا وأنا أقرب إليه من كل قريب، وأدنى إليه من حبل الوريد، ألست أيها الانسان العظيم عند نفسه في بنيانه، القوي لدى همته في أركانه، مخلوقا من النطفة المذرة، ومخرجا من الأماكن القذرة، تنحط من أصلاب الاباء كالنخاعة إلى أرحام النساء، ثم يأتيك أمري فتصير علقة، لو رأتك العيون لاستقذرتك، ولو تأملتك النفوس لعافتك، ثم تصير بقدرتي مضغة لا حسنة في المنظر، ولا نافعة في المخبر، ثم أبعث إليك أمرا من أمري، فتخلق عضوا عضوا وتقدر مفصلا مفصلا، من عظام مغشية، وعروق ملتوية، وأعصاب متناسبة، و رباطات ماسكة، ثم يكسوك لحما ويلبسك جلدا تجامع من أشياء متبائنة، وتخلق من أصناف مختلفة.
فتصير بقدرتي خلقا سويا لا روح فيك تحركك، ولا قوة لك تقلك، أعضاؤك صو بلا مرية [١] وجثث بلا مرزبة [٢] فأنفخ فيك الروح، وأهب لك الحياة، فتصير باذني إنسانا، لا تملك نفعا ولا ضرا، ولا تفعل خيرا ولا شرا، مكانك من أمك تحت السرة، كأنك مصرور في صرة إلى أن يلحقك ما سبق مني من القضاء، فتصير من هناك إلى وسع الفضاء، فتلقى ما قدرك من السعادة أو الشقاء، إلى أجل من البقاء
[١] كذا في نسخة الكمباني، وفى نسخة أخرى مخطوطة: " صور " - وضبطه بضم الصاد وفتح الواو - جمع الصورة. ولا تناسب قوله بعد " وجثث بلا مرزبة " كأنه يريد أن أعضاءك رخو، أو صبو، أو صوب يميل إلى حيث تشاء وسيأتي في البيان، فتحرر.
[٢] الجثث جمع جثة، وهو كل ماله شخص وشخص الانسان قائما أو قاعدا والمجثة حديدة يقلع بها الفسيل، والمرزبة: العصية من الحديد، فالمراد أن الأعضاء لها قوام معتدل كعصا الحديد من دون أن يركب فيها حديد.