بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٨٢ - باب ٣ نوافل العصر و كيفيتها و تعقيباتها
اللهم إن أدعوك لهم لا يفرجه غيرك، ولرحمة لا تنال إلا بك، ولكرب لا يكشفه سواك، ولمغفرة لا تبلغ إلا بك، ولحاجة لا يقضيها إلا أنت، اللهم فكما كان من شأنك إلهامي الدعاء، فليكن من شأنك الإجابة فيما دعوتك له، والنجاة فيما فزعت إليك منه.
اللهم إن لا أكن أهلا أن أبلغ رحمتك، فان رحمتك أهل أن تبلغني، لأنها وسعت كل شئ، وأنا شئ فلتسعني رحمتك يا إلهي يا كريم.
اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، أن تصلي على محمد وآله وأن تعطيني فكاك رقبتي من النار، وتوجب لي الجنة برحمتك، وتزوجني من الحور العين بفضلك، وتعيذني من النار بطولك، وتجيرني من غضبك وسخطك علي، وترضيني بما قسمت لي، وتبارك لي فيما أعطيتني، وتجعلني لأنعمك من الشاكرين.
اللهم صل على محمد وآل محمد، وامنن علي بذلك وارزقني حبك وحب كل من أحبك، وحب كل عمل يقربني إلى حبك، ومن علي بالتوكل عليك، و التفويض إليك، والرضا بقضائك، والتسليم لأمرك، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله، وافعل بي كذا وكذا مما نحب [١].
بيان: هذه الأدعية أوردها الشيخ [٢] رحمه الله في تعقيب هذه النوافل، وتبعه غيره، ويظهر من القرائن عدم اختصاصها بتلك النوافل [٣] كما أومأ إليه السيد رضي الله
[١] فلاح السائل: ١٩٦ - ١٩٧.
[٢] راجع مصباح المتهجد: ٤٩ و ٥٠.
[٣] قد اعترض المؤلف العلامة - ره - بمثل ذلك على الشيخ قدس سره في ص ٧٩ أيضا وقال: " الشيخ كثيرا " يذكر الأدعية المطلقة عقيب الصلوات لأنه أفضل الأوقات، وفيه ما فيه ".
وعندي أن الشيخ قدس سره أجل وأتقى من أن يدلس أو يتسامح في وضع شئ في غير موضعه المشروع فينقل الأدعية في غير موردها المقطوع.
بل كان الشيخ قدس سره أتقى وأورع من أن ينقل تلك الأحاديث المتضمنة لتلك الأدعية ويسندها إلى الأئمة المعصومين لما في اسنادها من الضعف والوهن، ومخالفة متونها للسيرة المعروفة من أدعية الأئمة عليهم السلام من الابتداء بالثناء والتحميد، ثم الصلاة على النبي وآله، ثم طلب الحوائج بما جرى على اللسان ".
فالشيخ - شيخ الطائفة المحقة - لم يكن ليتسامح في نقل الأدعية في غير موردها أو يقيدها وهي مطلقة، بل كان يتسامح في أصل نقلها وجواز التمسك والتعلق بها، عملا بأخبار من بلغ - وتأسيسا " لقاعدة التسامح في أدلة السنن - رجاء للداعي أن يثيبه الله عز وجل بالمغفرة والرحمة ويتفضل عليه بإجابة الدعاء والمسألة.
ولما كان سندها في غاية الوهن لا يوجب علما " ولا عملا ولا صح اسنادها ونسبتها إلى الأئمة المعصومين عليهم السلام، احتاط في ذلك وأوردها في تعقيب الفرائض والنوافل تارة وفي قنوتات الصلوات أخرى ليشملها عمومات الامر بالدعاء، ولذلك ترى أنه قدس سره يذكر لفظ الدعاء مطلقا " ولا يلتفت إلى ذكر سنده ولا إلى ما في الخبر من شرح الدعاء وآثاره وفوائده الا قليلا.
على أن المسلم من الروايات أن الدعاء قسمان: قسم هو موقت يجب التحفظ على صورته كما ورد من دون تصرف فيه، وقسم هو غير موقت، يجوز انشاؤه أو اقتباسه من سائر الأدعية والتصرف فيها بما يناسب حال الداعي، إذا كان بالغا معرفته هذا المبلغ.
فمن الروايات التي تحكم بذلك ما نقله العلامة المجلسي قدس سره حين عقد في كتاب الأدعية بابا " وترجمه " باب جواز أن يدعى بكل دعاء والرخصة في تأليفه ". وذكر نقلا من خط الشهيد - ره - عن علي عليه السلام قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ان الدعاء يرد البلاء وقد ابرم ابراما "، قال الوشاء فقلت لعبد الله ابن سنان: هل في ذلك دعاء موقت؟ فقال: اما انى سألت الصادق عليه السلام فقال: نعم اما دعاء الشيعة المستضعفين ففي كل علة من العلل دعاء موقت: وأما المستبصرون البالغون فدعاؤهم لا يحجب.
ومنها ما رواه الكليني في الكافي بالاسناد إلى إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن القنوت وما يقال فيه، قال: ما قضى الله على لسانك ولا أعلم فيه شيئا " موقتا ".
ومنها ما رواه الشيخ والكليني قد هما عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام عن القنوت في الوتر هل فيه شئ موقت يتبع ويقال؟ فقال: لا، اثن على الله عز وجل، وصل على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر لذنبك العظيم، وكل ذنب عظيم.
فالدعاء الموقت هو الذي وقت بألفاظه ولا يجوز الزيادة عليه ولا النقيصة عنه حتى بشئ يسير من الأذكار، كما عرفت من انكار الأئمة المعصومين على أصحابهم حيث قالوا:
" يا مقلب القلوب والابصار " بدل " يا مقلب القلوب " و " يحيى ويميت ويميت ويحيى " بدل " يحيى ويميت " فقط، وغير ذلك من الموارد.
وأما الأدعية الواردة بألفاظ مختلفة في متونها كما في دعاء الالحاح الذي نقل في مورد البحث، فاختلاف ألفاظها يدل على أنها من الأدعية غير الموقتة التي يجوز التصرف فيها بما يناسب مقال الداعي وحاله.
ومن موارد التصرف في الأدعية ما مر في ج ٨٦ ص ٣٦٩ - ٣٧١ عند ذكر المؤلف العلامة دعاء التمجيد " ما يمجد به الرب تبارك وتعالى نفسه " فتارة روى بعنوان تمجيد الرب نفسه، وتارة تصرف في العبارات بحيث صار تمجيد العبد ربه بما كان يمجد الرب نفسه، وصرح المؤلف قدس سره في ص ٣٧٠ بأن القاري: لهذا الدعاء يغير الفقرات من التكلم إلى الخطاب.
فإذا جاز التصرف في ألفاظ الدعاء غير الموقتة، بما يناسب حال الداعي ومقاله جاز قراءتها عند تعقيب الصلوات وهو أفضل الأوقات كأنه ينشئ الدعاء من عند نفسه، لتناسب تلك الأدعية، فلا اشكال في ذلك ابدا ".