بحار الأنوار - ط دارالاحیاء التراث - العلامة المجلسي - الصفحة ٥٩ - في الزرافة، والقرد، والبهائم
أراده جل وتعالى، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في غياطل [١] ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوت من ثمارها.
تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه و المنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان، وخص مع ذلك بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه [٢] ويحكي كثيرا مما يرى الانسان بفعله، حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على ما هي عليه، أن يكون [٣] عبرة للانسان في نفسه، فيعلم أنه من طينة البهائم و سنخها [٤] إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب، ولولا أنه فضيلة [٥] فضله [٦] بها في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم، على أن في جسم القرد فضولا أخرى يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله، وهذا لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو أعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه، و الفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة [٧] هو النقص في العقل والذهن والنطق.
انظر يا مفضل: إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم هذه الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد، وكثرة الآفات، وألبست
[١] الغياطل جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف.
[٢] أي يشير إليه.
[٣] أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان.
[٤] السنخ: الأصل.
[٥] في المخطوطة وفى التوحيد من البحار: وانه لولا فضيلة.
[٦] في التوحيد من البحار: فضله الله بها.
[٧] أي الفصل الصحيح الذي يصلح لان يكون فاصلا. وقال المصنف: في أكثر النسخ:
" وهو " وعلى هذا فلا يبعد أن تكون الصحة تصحيف القحة أي قلة الحياء.