سيرتنا وسنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٢٦
إلى رأسه ولحيته، ثمّ بكى حتّى علا بكاه. قيل: ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني).
وفي لفظ عن أنس بن مالك: (ثمّ وضع النبىّ رأسه على إحدى منكبي علىّ فبكى، فقال له، ما يبكيك يا رسول الله؟ صلى الله عليك! قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها حتّى افارق الدّنيا). الحديث[١].
وفي لفظ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) : (فلمّا خلا لي الطريق، اعتنقني ثمّ أجهش باكياً، قلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي). الحديث٢٤ وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يستحفيه عن صبره وجلده ويقول (صلى الله عليه وآله وسلم) له (عليه السلام) : كيف صبرك إذا خضبت هذه من هذه؟ وأهوى بيده إلى لحيته ورأسه، فقال علىّ: أما بليت ما بليت فليس ذلك من مواطن الصبر، وإنّما هو من مواطن البشرى والكرامة[٢] فيتسلّى (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك الكلام الطيّب المعرب عن عظمة نفسيّات علىّ (عليه السلام) ومبلغ تفانيه في الله تعالى.
وتراه يضمّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا محمّد الحسن السبط إلى صدره ويقبّله من فمه وسرّته لما يتذكّر بأنّ أحشاءه من فمه إلى سرّته ستقطع بالسمّ النقيع.
ويضمّ الحسين السبط إليه ويشمّه ويقبّله ويقبّل منه مواضع السيوف والرماح والطعون ويخصّ من جوارحه بالقُبلة شفتيه، علماّ منه بأنّهما ستضربان بالقضيب.
يقيم (صلى الله عليه وآله وسلم) على حسينه وريحانته مأتماً حيناً بعد حين في بيوت أمّهات المؤمنين ومهما اشتدّ عليه حزنه يأخذ حسينه على حضنه ويأتي به إلى المسجد إلى مجتمع الصحابة هو يبكي، وعيونه تدمع، ودموعه تسيل، فيريهم الحسين
[١] أخرجه بالطرق الثلاث، البزار في مسنده، والطبراني في الكبير، وأبو يعلى في المسند، وابن عساكر في تاريخ الشام، والهيثمي في المجمع، وجمع آخر ذكرناهم في كتابنا (الغدير) لدى مسند أمير المؤمنين، وابن عباس، وأنس.
[٢] أخرجه الحافظ الطبراني في المعجم الكبير الموجود لدينا ولله الحمد.