في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٩٤٦
ذكرنا ذلك من قبل باختصار [١] واستطراداً في ذلك المنطق القرآني المبين من زاوية اخرى يجيء هذا الاستنكار:
«قُلْ: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ؟ ..
ويختار التعبير بكلمة «بما» بدل كلمة «من» في هذا الموضع قصداً. ليدرج «المخلوقات» التي تعبد كلها- بما فيها من العقلاء- في سلك واحد. لأنه يشير إلى ماهيتها المخلوقة الحادثة البعيدة عن حقيقة الألوهية.
فيدخل عيسى، ويدخل روح القدس، وتدخل مريم، كلهم في «ما» لأنهم بماهيتهم من خلق الله. ويلقي هذا التعبير ظله كذلك في هذا المقام فيبعد أن يكون أحد من خلق الله مستحقاً للعبادة وهو لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً:
«وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..
الذي يسمع ويعلم ومن ثم يضر وينفع. كما أنه هو الذي يسمع دعاء عبيده وعبادتهم إياه، ويعلم ما تكنه صدورهم وما يكمن وراء الدعاء والعبادة.. فأما ما سواه فلا يسمع ولا يعلم ولا يستجيب الدعاء..
وينهي هذا كله بدعوة جامعة، يكلف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يواجهها إلى أهل الكتاب:
«قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً. وضلوا عن سواء السبيل» .
فمن الغلو في تعظيم عيسى- عليه السلام- جاءت كل الانحرافات. ومن أهواء الحكام الرومان الذين دخلوا النصرانية بوثنيتهم، ومن أهواء المجامع المتناحرة كذلك دخلت كل تلك المقولات على دين الله الذي أرسل به المسيح، فبلغه بأمانة الرسول، وهو يقول لهم: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ. إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَمَأْواهُ النَّارُ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» ..
وهذا النداء الجديد هو دعوة الإنقاذ الأخيرة لأهل الكتاب ليخرجوا بها من خضم الانحرافات والاختلافات والأهواء والشهوات الذي خاض فيه أولئك الذين ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل..
ونقف من هذا المقطع الذي انتهى بهذا النداء أمام ثلاث حقائق كبيرة، يحسن الإلمام بها في إجمال:
الحقيقة الأولى: هي حقيقة هذا الجهد الكبير، الذي يبذله المنهج الإسلامي، لتصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على قاعدة التوحيد المطلقة وتنقيته من شوائب الوثنية والشرك التي أفسدت عقائد أهل الكتاب، وتعريف الناس بحقيقة الألوهية وإفراد الله- سبحانه- بخصائصها، وتجريد البشر وسائر الخلائق من هذه الخصائص..
وهذا الاهتمام البالغ بتصحيح التصور الاعتقادي، وإقامته على قاعدة التوحيد الكامل الحاسم، يدل على أهمية هذا التصحيح. وأهمية التصور الاعتقادي في بناء الحياة الإنسانية وفي صلاحها، كما يدل على اعتبار الإسلام للعقيدة بوصفها القاعدة والمحور لكل نشاط إنساني، ولكل ارتباط إنساني كذلك.
والحقيقة الثانية: هي تصريح القرآن الكريم بكفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم أو قالوا:
إن الله ثالث ثلاثة: فلم يعد لمسلم- بعد قول الله- سبحانه- قول. ولم يعد يحق لمسلم أن يعتبر أن هؤلاء
[١] ص ٨٦٤- ٨٦٦ من هذا الجزء.