في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٩٢٩
بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والأمر كما قلنا من قبل في الظلال، يقتضي «سلطة» تأمر وتنهى [١] ، والأمر والنهي أمر غير الدعوة. فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان. وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع فلا يكون مطلق كلام! وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود الغبي اللئيم:
«وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ- غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ-» ..
وذلك من سوء تصور يهود لله سبحانه. فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك. وقد قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء عند ما سئلوا النفقة! وقالوا: يد الله مغلولة، يعللون بذلك بخلهم فالله- بزعمهم- لا يعطي الناس ولا يعطيهم إلا القليل.. فكيف ينفقون؟! وقد بلغ من غلظ حسهم، وجلافة قلوبهم، ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه وهو البخل بلفظه المباشر فاختاروا لفظا أشد وقاحة وتهجما وكفرا فقالوا: يد الله مغلولة! ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم، ولعنهم وطردهم من رحمة الله جزاء على قولهم:
«غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا» .
وكذلك كانوا، فهم أبخل خلق الله بمال! ثم يصحح هذا التصور الفاسد السقيم ويصف الله سبحانه بوصفه الكريم. وهو يفيض على عباده من فضله بلا حساب:
«بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» ..
وعطاياه التي لا تكف ولا تنفد لكل مخلوق ظاهرة للعيان.. شاهدة باليد المبسوطة، والفضل الغامر، والعطاء الجزيل، ناطقة بكل لسان. ولكن يهود لا تراها لأنها مشغولة عنها باللم والضم، وبالكنود وبالجحود، وبالبذاءة حتى في حق الله! ويحدث الله رسوله- صلى الله عليه وسلم- عما سيبدو من القوم، وعما سيحل بهم، بسبب حقدهم وغيظهم من اصطفاء الله له بالرسالة وبسبب ما تكشفه هذه الرسالة من أمرهم في القديم والحديث:
«وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً» ..
فبسبب من الحقد والحسد، وبسبب من افتضاح أمرهم فيما أنزل الله إلى رسوله، سيزيد الكثيرون منهم طغيانا وكفرا. لأنهم وقد أبوا الإيمان، لا بد أن يشتطوا في الجانب المقابل ولا بد أن يزيدوا تبجحا ونكرا، وطغيانا وكفرا. فيكون الرسول- صلى الله عليه وسلم- رحمة للمؤمنين، ووبالا عن المنكرين.
ثم يحدثه عما قدر الله لهم من التعادي والتباغض فيما بينهم ومن إبطال كيدهم وهو في أشد سعيره تلهبا ومن عودتهم بالخيبة فيما يشنونه من حرب على الجماعة المسلمة:
«وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ. كُلَّما أَوْقَدُوا نارا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» ..
وما تزال طوائف اليهود متعادية. وإن بدا في هذه الفترة أن اليهودية العالمية تتساند وتوقد نار الحرب على
[١] الجزء الرابع من الظلال: ص ٤٤٣- ٤٤٤.