في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٩١٥
الإسلام إلا من يأخذه عقيدة، وحركة بهذه العقيدة، لإقامة النظام الإسلامي.
إن الأمر في التصور الإسلامي وفي حس المسلم واضح محدد.. الدين هو الإسلام.. وليس هناك دين غيره يعترف به الإسلام.. لأن الله- سبحانه- يقول هذا. يقول: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» .. ويقول:
«وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» .. وبعد رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم- لم يعد هناك دين يرضاه الله ويقبله من أحد إلا هذا «الإسلام» .. في صورته التي جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم- وما كان يقبل قبل بعثة محمد من النصارى لم يعد الآن يقبل. كما أن ما كان يقبل من اليهود قبل بعثة عيسى عليه السلام، لم يعد يقبل منهم بعد بعثته..
ووجود يهود ونصارى- من أهل الكتاب- بعد بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- ليس معناه أن الله يقبل منهم ما هم عليه أو يعترف لهم بأنهم على دين إلهي.. لقد كان ذلك قبل بعثة الرسول الأخير.. أما بعد بعثته فلا دين- في التصور الإسلامي وفي حس المسلم- إلا الإسلام.. وهذا ما ينص عليه القرآن نصا غير قابل للتأويل..
إن الإسلام لا يكرههم على ترك معتقداتهم واعتناق الإسلام.. لأنه «لا إكراه في الدين» ولكن هذا ليس معناه أنه يعترف بما هم عليه «ديناً» ويراهم على «دين» ..
ومن ثم فليس هناك جبهه تدين يقف معها الإسلام في وجه الإلحاد! هناك «دين» هو الإسلام.. وهناك «لا دين» هو غير الإسلام.. ثم يكون هذا اللادين.. عقيدة أصلها سماوي ولكنها محرفه، أو عقيده أصلها وثني باقيه على وثنيتها. أو إلحاداً ينكر الأديان.. تختلف فيما بينها كلها. ولكنها تختلف كلها مع الإسلام. ولا حلف بينها وبين الإسلام ولا ولاء ...
والمسلم يتعامل مع أهل الكتاب هؤلاء وهو مطالب بإحسان معاملتهم- كما سبق- ما لم يؤذوه في الدين ويباح له أن يتزوج المحصنات منهن- على خلاف فقهي فيمن تعتقد بألوهية المسيح أو بنوته، وفيمن تعتقد التثليث أهي كتابيه تحل أم مشركة تحرم- وحتى مع الأخذ بمبدأ تحليل النكاح عامه.. فإن حسن المعامله وجواز النكاح، ليس معناها الولاء والتناصر في الدين وليس معناها اعتراف المسلم بأن دين أهل الكتاب- بعد بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- هو دين يقبله الله ويستطيع الإسلام أن يقف معه في جبهه واحدة لمقاومة الإلحاد! إن الإسلام قد جاء ليصحح اعتقادات أهل الكتاب كما جاء ليصحح اعتقادات المشركين والوثنيين سواء.
ودعاهم إلى الإسلام جميعاً، لأن هذا هو «الدين» الذي لا يقبل الله غيره من الناس جميعاً. ولما فهم اليهود أنهم غير مدعوين إلى الإسلام، وكبر عليهم أن يدعوا إليه، جابههم القرآن الكريم بأن الله يدعوهم إلى الإسلام، فإن تولوا عنه فهم كافرون! والمسلم مكلف أن يدعو أهل الكتاب إلى الإسلام، كما يدعو الملحدين والوثنيين سواء. وهو غير مأذون في أن يكره أحداً من هؤلاء ولا هؤلاء على الإسلام. لأن العقائد لا تنشأ في الضمائر بالإكراه. فالإكراه في الدين فوق أنه منهي عنه، هو كذلك لا ثمره له.
ولا يستقيم أن يعترف المسلم بأن ما عليه أهل الكتاب- بعد بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- هو دين يقبله الله.. ثم يدعوهم مع ذلك إلى الإسلام! .. إنه لا يكون مكلفاً بدعوتهم إلى الإسلام إلا على أساس واحد هو أنه لا يعترف بأن ما هم عليه دين. وأنه يدعوهم إلى الدين.