في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٩٢٧
وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ولكن اتبعوا شرعهم وتركوا شريعة الله. فسماهم الله عبادا لهم وسماهم مشركين.. وهذه اللفتة هنا ملحوظ فيها ذلك المعنى الدقيق. فهم عبدوا الطاغوت.. أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها.. وهم لم يعبدوها بمعنى السجود لها والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة.
وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله [١] .
والله- سبحانه- يوجه رسوله- صلى الله عليه وسلم- لمجابهة أهل الكتاب بهذا التاريخ، وبذلك الجزاء الذي استحقوه من الله على هذا التاريخ.. كأنما هم جيل واحد بما أنهم جبلة واحدة.. يوجهه ليقول لهم:
إن هذا شر عاقبة:
«قُلْ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ» ..
أي شر من نقمة أهل الكتاب على المسلمين، وما يكيدون لهم وما يؤذونهم بسبب إيمانهم. وأين نقمة البشر الضعاف من نقمة الله وعذابه، وحكمه على أهل الكتاب بالشر والضلال عن سواء السبيل:
«أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً، وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ» ..
ويمضي السياق في التنفير من موالاتهم بعرض صفاتهم وسماتهم- بعد عرض تاريخهم وجزائهم- ويجيء التحذير والتوعية منهم بكشف ما يبيتون.. ويبرز اليهود كذلك في الصورة، لأن الحديث عن وقائع جارية، ومعظم الشر كان يجيء من قبل يهود:
«وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا: آمَنَّا. وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ. وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ. وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ! لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ. لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ! وَقالَتِ الْيَهُودُ: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ- وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً، وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، كُلَّما أَوْقَدُوا نارا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ. وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» ..
إنها عبارات تنشئ صورا متحركة ومشاهد حية- على طريقة التعبير القرآنية الفريدة [٢] - ومن وراء القرون يملك قارئ هذه الآيات أن يشهد- بعين التصور- هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم القرآن من يهود- على الأرجح- فالسياق يتحدث عنهم، وإن كان من الجائز أنه يعني كذلك بعض المنافقين في المدينة.. يشهدهم يجيئون للمسلمين فيقولون: آمنا.. ويشهد في جعبتهم «الكفر» وهم يدخلون به ويخرجون بينما ألسنتهم تقول غير ما في الجعبة من كفر يحملونه داخلين خارجين! ولعلهم من يهود أولئك الذين كانوا يبيتون البلبلة وهم يقولون بعضهم لبعض: آمنوا بهذا القرآن وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون.. أي لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بسبب هذه البلبلة والتشكيك الخبيث اللئيم.
«وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ» ..
[١] يراجع كتاب: «المصطلحات الأربعة» للسيد أبي الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية بباكستان.. فصل: «العبادة» .. ويراجع كتاب: «هذا الدين» فصل: «منهج متفرد» ويراجع كتاب: «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته» فصل: «التوحيد» . «دار الشروق»
[٢] يراجع فصل: «طريقة القرآن» في كتاب: «التصوير الفني في القرآن» . «دار الشروق» .