في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٧٩٦
في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالباً. وكثيراً ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء، ولكنهم يتحرجون منه، أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه، فلا تحرج إذن ولا تقية، وهم ليسوا بأول من يفعل! وكثيراً ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة. فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره، خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه وسهل على النفوس أن تسمع- بل أن ترى- ولا تثور للتغيير على المنكر.
ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم- وقد يكونون منه أبرياء- ولكن قالة السوء حين تنتشر وحين يصبح الجهر بها هيناً مألوفاً، فإن البريء قد يتقول عليه مع المسيء ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء.
إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية- سبّاً وقذفاً- وينتهى انحلالاً اجتماعياً وفوضى أخلاقية تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفراداً وجماعات وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض وقد شاعت الاتهامات ولاكتها الألسنة بلا تحرج.
لذلك كله كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء. وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم في حدود ما وقع عليه منه من الظلم! «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ- إِلَّا مَنْ ظُلِمَ-» ..
ففي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء- ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف- انتصاراً من ظلم، ودفعاً لعدوان، ورداً لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته وتشهيراً بالظلم والظالم في المجتمع لينتصف المجتمع للمظلوم وليضرب على يد الظالم وليخشى الظالم عاقبة فعله، فيتردد في تكراره.. والجهر بالسوء عندئذ يكون محدد المصدر- من الشخص الذي وقع عليه الظلم- محدد السبب- فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم- موجهاً إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم.. عندئذ يكون الخير الذي يتحقق بهذا الجهر مبرراً له ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير..
إن الإسلام يحمي سمعة الناس- ما لم يظلموا- فإذا ظلموا لم يستحقوا هذه الحماية وأُذن للمظلوم أن يجهر بكلمة السوء في ظالمه وكان هذا هو الاستثناء الوحيد من كف الألسنة عن كلمة السوء.
وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم، وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشاً للحياء النفسي والاجتماعي..
ويعقب السياق القرآني على ذلك البيان هذا التعقيب الموحي:
«وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً» ..
ليربط الأمر في النهاية بالله، بعد ما ربطه في البداية بحب الله وكرهه: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ..» .
وليشعر القلب البشري أن مرد تقدير النية والباعث، وتقدير القول والاتهام، لله، السميع لما يقال، العليم بما وراءه مما تنطوي عليه الصدور.
ثم لا يقف السياق القرآني عند الحد السلبي في النهي عن الجهر بالسوء إنما يوجه إلى الخير الإيجابي عامة ويوجه إلى العفو عن السوء ويلوح بصفة الله سبحانه في العفو وهو قادر على الأخذ، ليتخلق المؤمنون