في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٩١٣
وقال ابن جرير. «حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود: أسلموا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر.
فقال مالك بن الصيف: أغركم أن أصبتم رهطا من قريش، لا علم لهم بالقتال؟ أما لو أصررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرا سلاحهم، شديدة شوكتهم. وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود. إني رجل لا بد لي منهم.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا الحباب أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة ابن الصامت؟ فهو لك دونه!» فقال: إذن أقبل..
قال محمد بن إسحق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بنو قينقاع. فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة. قال: فحاصرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول- حين أمكنة الله منهم- فقال: يا محمد أحسن في موالي- وكانوا حلفاء الخزرج- قال: فأبطأ عليه رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقال: يا محمد أحسن في موالي. قال: فأعرض عنه. قال: فأدخل يده في جيب درع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أرسلني» وغضب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى رأوا لوجهه ظللا. ثم قال: «ويحك! أرسلني» . قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربعمائة حاسر، وثلاثمائه دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر. قال. فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هم لك» ..
قال محمد بن إسحق: فحدثني أبي إسحق بن يسار، عن عبادة، عن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تشبث بأمرهم عبد الله بن أبى وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان أحد بني عوف بن الخزرج. له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي فجعلهم إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله أبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآية في المائدة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» إلى قوله: «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» ..
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبى زيادة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عودة، عن أسامة بن زيد، قال: «دخلت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- «قد كنت أنهاك عن حب يهود» فقال عبد الله:
فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات.. (وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن إسحق) فهذه الأخبار في مجموعها تشير إلى تلك الحالة التي كانت واقعة في المجتمع المسلم والمتخلفة عن الأوضاع التي كانت قائمة في المدينة قبل الإسلام وكذلك عن التصورات التي لم تكن قد حسمت في قضية العلاقات التي يمكن أن تقوم بين الجماعة المسلمة واليهود والتي لا يمكن أن تقوم.. غير أن الذي يلفت النظر أنها كلها تتحدث عن اليهود، ولم يجئ ذكر في الوقائع للنصارى.. ولكن النص يجمل اليهود والنصارى.. ذلك أنه