في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٨١٤
ومن ثم دعوة شاملة إلى الناس كافة- بعد هذه البيانات كلها- أن هذا الرسول إنما جاءهم بالحق من ربهم.
فمن أمن به فهو الخير. ومن كفر فإن الله غني عنهم جميعاً، وقادر عليهم جميعاً، وله ما في السماوات والأرض.
وهو يعلم الأمر كله، ويجريه وفق علمه وحكمته:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ. فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» ..
وهي دعوة سبقها دحض مفتريات أهل الكتاب، وكشف جبلة اليهود ومناكرهم في تاريخهم كله، وتصوير تعنتهم الأصيل، حتى مع موسى نبيهم وقائدهم ومنقذهم، كما سبقها بيان طبيعة الرسالة وغايتها. وهذه الغاية وتلك الطبيعة تقتضيان أن يرسل الله الرسل، وتقتضيان أن يرسل الله محمداً حتماً. فهو رسول إلى العالمين.
إلى الناس كافة- بعد ما غبرت الرسالات كلها خاصة بقوم كل رسول- فلم يكن بد من تبليغ عام في ختام الرسالات، يبلغ إلى الناس كافة: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» .. ولو لم تكن هذه الرسالة عامة للناس كافة لكان للناس- ممن سيأتون من أجيال وأمم- حجة على الله. فانقطعت هذه الحجة بالرسالة العامة للناس وللزمان، وكانت هي الرسالة الأخيرة. فإنكار أن هناك رسالة بعد أنبياء بني إسرائيل غير عيسى، أو بعد عيسى- عليه السلام- لا يتفق مع عدل الله، في أن يأخذ الناس بالعقاب بعد البلاغ.. ولم يسبق أن كانت هناك رسالة عامة. ولم يكن بد من هذه الرسالة العامة.. فكانت بعدل الله ورحمته بالعباد.. وكان حقاً قول الله سبحانه «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» .. رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. كما يتجلى من هذا البيان..
[سورة النساء (٤) : الآيات ١٧١ الى ١٧٥]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)