في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١١٤٩
ما أَنْزَلَ اللَّهُ؟ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ، وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ، بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ! لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ، وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ»
..
وقد ورد عن قتادة وابن عباس- رضي الله عنهم- أن الآية نزلت في مسيلمة الكذاب وسجاح بنت الحارث زوجته والأسود العنسي وهم الذين تنبأوا في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- وادعوا أن الله أوحى إليهم.
أما الذي قال سأنزل مثلما أنزل الله- أو قال أوحي إلي كذلك- ففي رواية عن ابن عباس أنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان أسلم وكتب الوحي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنه لما نزلت الآية التي في «المؤمنون» : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» دعاه النبي- صلى الله عليه وسلم- فأملاها عليه.
فلما انتهى إلى قوله: «ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ» عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» . فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هكذا أنزلت عليّ» .. فشك عبد الله حينئذ وقال:
لئن كان محمد صادقاً لقد أوحى إلي كما أوحى إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال! فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين. فذلك قوله: «وَمَنْ قالَ: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» .. (رواه الكلبي عن ابن عباس) ..
والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين (أي المشركين) مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب.
الظالمون في غمرات الموت وسكراته- ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب- والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب، وهم يطلبون أرواحهم للخروج! وهم يتابعونهم بالتأنيب:
«وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ، وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» ..
وجزاء الاستكبار العذاب المهين، وجزاء الكذب على الله هذا التأنيب الفاضح.. وكله مما يضفي على المشهد ظلالاً مكروبة، تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق! ثم في النهاية، ذلك التوبيخ والتأنيب من الله تعالى، الذي كذبوا عليه، وها هم أولاء بين يديه، يواجههم في موقف الكربة والضيق:
«وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ! فما معكم إلا ذواتكم مجردة ومفردة كذلك. تلقون ربكم أفراداً لا جماعة. كما خلقكم أول مرة أفراداً، ينزل أحدكم من بطن أمه فرداً عريان أجرد غلبان! ولقد ند عنكم كل شيء، وتفرق عنكم كل أحد وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم الله إياه «وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» ..
تركتم كل شيء من مال وزينة، وأولاد ومتاع، وجاه وسلطان.. كله هناك متروك وراءكم، ليس معكم شيء منه، ولا تقدرون منه على قليل أو كثير! «وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» ..
هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد، وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم، وتقولون:
إنهم سيكونون عند الله شفعاءكم (كالذي كانوا يقولون: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى!» ) سواء