في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٦٤٨
الفوائد الربوية. وإن كان لم يصحح العقود السابقة على النص، ما لم يكن قد تم قبض تلك الفوائد. فأما هنا فقد احترم تلك العقود على ألا ينشأ منها جديد. لما يتعلق بها- فوق الجانب المالي- من ارتباطات أخذت طابع العضوية العائلية بتشابكاتها الكثيرة المعقدة. فترك هذه العقود القائمة تنفذ وشدد في الوفاء بها وقطع الطريق على الجديد منها قبل أن تترتب عليه أية آثار تحتاج إلى علاج! وفي هذا التصرف يبدو التيسير، كما يبدو العمق والإحاطة والحكمة والشمول، في علاج الأمور في المجتمع. حيث كان الإسلام يصوغ ملامح المجتمع المسلم يوماً بعد يوم ويمحو ويلغي ملامح الجاهلية في كل توجيه وكل تشريع [١] .
والموضوع الأخير في هذا الدرس، هو تنظيم مؤسسة الأسرة وضبط الأمور فيها وتوزيع الاختصاصات، وتحديد الواجبات وبيان الإجراءات التي تتخذ لضبط أمور هذه المؤسسة والمحافظة عليها من زعازع الأهواء والخلافات واتقاء عناصر التهديم فيها والتدمير، جهد المستطاع:
«الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله. واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إن الله كان علياً كبيراً. وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما. إن الله كان عليماً خبيراً» ..
ولا بد- قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية، وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية- من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة، ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها، وأهدافه منها.. بيان مجمل بقدر الإمكان، إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص [٢] :
إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته «الزوجية» شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..
ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» ..
وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة- بعد ذلك- فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكناً للنفس، وهدوءاً للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد.. ثم ستراً وإحصاناً وصيانة.. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهادئ المطمئن المستور المصون:
«وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» ..
«هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» ..
«نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ» ..
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ» ..
[١] في رواية عن ابن عباس في تفسير هذا النص، أنه منع الوراثة إلا للقرابة، واستبقي للذين عقدت أيمانهم النصرة والرفادة والنصيحة.
[٢] يراجع كتاب الحجاب وكتاب تفسير سورة النور للأستاذ أبو الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان
.