في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٧٩١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هذا الجزء السادس مؤلف من شطرين: الشطر الأول تتمة سورة النساء التي بدأت في أواخر الجزء الرابع، واستغرقت الجزء الخامس كله وبقيتها في هذا الجزء.. والشطر الثاني- وهو معظم هذا الجزء- من سورة المائدة.
وسنقصر الحديث- في هذا الموضع- عن الشطر الأول من هذا الجزء ونؤجل الحديث عن شطره الثاني إلى موضعه لنستعرض «شخصية» سورة المائدة وجوها وموضوعاتها على المنهج الذي اتبعناه في هذا الكتاب..
بعون من الله.
تمضي بقية سورة النساء على منهج السورة الذي أوضحناه في التقديم لها في الجزء الرابع [١] ، والذي يحسن أن نشير إليه ملخصا هنا في أخصر صورة:
إن هذه السورة تعالج بناء التصور الإسلامي الصحيح، في ضمير الجماعة المسلمة التي التقطها الإسلام من سفح الجاهلية، ليرقى بها صعدا في الطريق الصاعد، إلى القمة السامقة وتخليص هذا الضمير من رواسب الجاهلية، التي تغبش الصورة! أو- كما قلنا هناك- محو الملامح الجاهلية وتثبيت الملامح الإسلامية الجديدة..
ثم تعالج- على ضوء التصور الجديد- ضمير الأمة المسلمة، وخلقها، وتقاليدها الاجتماعية، وتخلصه من رواسب الجاهلية في الخلق والتقاليد كما خلصته من رواسب الجاهلية في التصور والاعتقاد. وتنظم حياتها الاجتماعية، وروابطها العائلية، على أساس المنهج الرباني القويم.
وهي- في أثناء هذا وذلك- تواجه العقائد المنحرفة، وتواجه أصحاب هذه العقائد، سواء منهم المشركون أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى وتصحح هذه العقائد وتقرر وجه الحق في الانحرافات التي تفسدها.
ثم تخوض بالجماعة المسلمة معركة حامية مع أهل الكتاب بصفة عامة، واليهود من أهل الكتاب بصفة خاصة. فهم الذين وقفوا للدعوة الجديدة منذ أن وصل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، ومنذ أن تبين اليهود خطر هذه الدعوة الجديدة على كيانهم ووضعهم الممتاز في يثرب، ودعاويهم في التفرد بالقرب من الله، وأنهم شعب الله المختار، ومن ثم حربهم للدعوة الجديدة بكل سلاح! والسورة تكشف طبيعتهم ووسائلهم، وتاريخهم مع أنبيائهم أنفسهم، مما يصور موقفهم من دعوة الحق أياً كان ممثلها، ولو كان هو نبيهم وقائدهم ومنقذهم!
[١] ص ٥٥٤- ص ٥٧١ من الجزء الرابع. [.....]