في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٥١
امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها، إذ وجدت صبياً في السبي، فأخذته، فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال- صلى الله عليه وسلم-: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه.
قال: «فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها» .. (أخرجه الشيخان) .
وكيف لا. وهذه المرأة إنما ترحم ولدها، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة؟
ومن تعليم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية، بهذا الأسلوب الموحي، كان ينتقل بهم خطوة أخرى ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعاً ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل.
عن ابن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «الراحمون يرحمهم الله تعالى. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .. (أخرجه أبو داود والترمذي) .
وعن جرير- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» ... (أخرجه الشيخان والترمذي) .
وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة- رضي الله عنه-: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» .
وعن أبي هريرة كذلك. قال: «قبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الحسن بن علي- رضي الله عنهما- وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا! فنظر إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم قال: «من لا يرحم لا يُرحم» .. (أخرجه الشيخان) .
ولم يكن- صلى الله عليه وسلم- يقف في تعليمه لأصحابه- رضوان الله عليهم- عند حد الرحمة بالناس.
وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء. وأن المؤمنين مأمورون أن يتخلقوا بأخلاق الله وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقاً بخلق الله سبحانه. وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها:
عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، وإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش.
فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب. فشكر الله تعالى له فغفر له» . قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجراً؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر» .. (أخرجه مالك والشيخان) .
وفي أخرى: إن امرأة بغياً رأت كلباً في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع (أي أخرج) لسانه من العطش فنزعت له موقها (أي خفها) فغفر لها به.
وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه- رضي الله عنه- قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر.
فرأينا حمرة (طائر) معها فرخان لها فأخذناهما. فجاءت الحمرة تعرّش (أو تفرش) - (أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض) فلما جاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» . ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار» ... (أخرجه أبو داود) ..
وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «قرصت نملة نبياً من الأنبياء.