في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٦٩٧
من حقائق الإسلام جاءت في صورة قسم مؤكد مطلقة من كل قيد.. وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته- صلى الله عليه وسلم- وذلك قول أشد المرتدين ارتداداً على عهد أبي بكر- رضي الله عنه- وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين: بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله، في حكم الزكاة وعدم قبول حكم رسول الله فيها، بعد الوفاة! وإذا كان يكفي لإثبات «الإسلام» أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله.. فانه لا يكفي في «الإيمان» هذا، ما لم يصحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان، في اطمئنان! هذا هو الإسلام.. وهذا هو الإيمان.. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان! وبعد أن يقرر أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول: إن هذا المنهج الذي يدعون إليه وهذه الشريعة التي يقال لهم: تحاكموا إليها- لا لسواها- وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به ... إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئاً فوق طاقتهم ولا يكلفهم عنتاً يشق عليهم ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان ويرحم هذا الضعف. والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية. ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها لنالوا خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة:
«وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ- إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ- وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ، لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً» ..
إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية. إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر. وهذا الدين لم يجىء لهذه القلة القليلة. إنه جاء للناس جميعاً. والناس معادن، وألوان، وطبقات. من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف. وهذا الدين ييسر لهم جميعاً أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها.
وقتل النفس، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم. وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس وأن ينكل عنها عامة الناس.
بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات وأن ينميها جميعاً ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض! قال ابن جريج: حدثنا المثنى إسحاق أبو الأزهر، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نزلت:
«وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» ... الآية: قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا..
فبلغ ذلك النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال