في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٧٧١
فأما حين تجف القلوب، فلا تطيق هذه الصلة ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة، فالتفرق إذن خير. لأن الإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال، ولا بالقيود والأغلال إنما يمسكهم بالمودة والرحمة أو بالواجب والتجمل. فإذا بلغ الحال أن لا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج القلوب المتنافرة، فإنه لا يحكم عليها أن تقيم في سجن من الكراهية والنفرة أو في رباط ظاهري وانفصام حقيقي! «وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ. وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً» ..
فالله يعد كلاً منهما أن يغنيه من فضله هو، ومما عنده هو وهو- سبحانه- يسع عباده ويوسع عليهم بما يشاء في حدود حكمته وعلمه بما يصلح لكل حال.
إن دراسة هذا المنهج، وهو يعالج مشاعر النفوس، وكوامن الطباع، وأوضاع الحياة في واقعيتها الكلية..
تكشف عن عجب لا ينقضي، من تنكر الناس لهذا المنهج.. هذا المنهج الميسر، الموضوع للبشر، الذي يقود خطاهم من السفح الهابط، في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة وفق فطرتهم واستعداداتهم ولا يفرض عليهم أمراً من الارتفاع والتسامي، إلا وله وتر في فطرتهم يوقع عليه وله استعداد في طبيعتهم يستجيشه وله جذر في تكوينهم يستنبته.. ثم هو يبلغ بهم- بعد هذا كله- إلى ما لا يبلغه بهم منهج آخر.. في واقعية مثالية. أو مثالية واقعية.. هي صورة طبق الأصل من تكوين هذا الكائن الفريد [١] .
ولأن هذه الأحكام الخاصة بتنظيم الحياة الزوجية، قطاع من المنهج الرباني لتنظيم الحياة كلها ولأن هذا المنهج بجملته قطاع من الناموس الكوني، الذي أراده الله للكون كله، فهو يتوافق مع فطرة الله للكون، وفطرة الله للإنسان، الذي يعيش في هذا الكون.. لأن هذه هي الحقيقة العميقة في هذا المنهج الشامل الكبير، يجيء في سياق السورة بعد الأحكام الخاصة بتنظيم الأسرة، ما يربطها بالنظام الكوني كله وسلطان الله في الكون كله، وملكية الله للكون كله. ووحدة الوصية التي وصى الله بها الناس في كتبه كلها وثواب الدنيا وثواب الآخرة.. وهي القواعد التي يقوم عليها المنهج كله. قواعد الحق والعدل والتقوى:
«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ: أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ. وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ- أَيُّهَا النَّاسُ- وَيَأْتِ بِآخَرِينَ. وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً. مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً» .
ويكثر في القرآن التعقيب على الأحكام، وعلى الأوامر والنواهي بأن لله ما في السماوات وما في الأرض أو بأن لله ملك السماوات والأرض. فالأمران متلازمان في الحقيقة. فالمالك هو صاحب السلطان في ملكه وهو صاحب حق التشريع لمن يحتويهم هذا الملك. والله وحده هو المالك، ومن ثم فهو وحده صاحب السلطان الذي يشرع به للناس. فالأمران متلازمان.
كذلك يبرز هنا من وصية الله- سبحانه- لكل من أنزل عليهم كتاباً.. الوصية بالتقوى، وذلك بعد تعيين من له ملكية السماوات والأرض، ومن له حق الوصية في ملكه:
«وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» .
[١] يراجع كتاب: «هذا الدين» وفصل «الواقعية» في كتاب: «خصائص التصور الإسلامي» . «دار الشروق» .