في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٢٥
بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين. إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله، ثم إليه يرجعون» ..
وهكذا يمضي سياق السورة موجة في إثر موجة على هذا النسق الذي عرضنا منه نماذج، لعلها تصور طبيعة السورة، كما تصور موضوعها.. وهي تبلغ في بعض موجاتها ذروة أعلى من ذرى هذه الموجات التي استعرضناها كما أن تدفقها في بعض المسالك أشد جيشانا وأعلى إيقاعا.. ولكننا لا نملك أن نستعرض السورة كلها في هذا التعريف المجمل، وسيأتي شيء من ذلك في الفقرة التالية..
ولقد سبق القول بأن هذه السورة تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة، إذ إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف وفي كل مشهد، تبلغ حد «الروعة الباهرة» التي تبده النفس وتشده الحس، وتبهر النفس وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعاتها وموحياتها..
فالآن ندع نصوصا من السورة ذاتها تصور هذه الحقيقة بأسلوبها القرآني. ذلك أن الوصف مهما بلغ، لا يبلغ شيئا في نقل هذه الحقيقة إلى القلب البشري! إن تقرير حقيقة الألوهية، وتعريف الناس بربهم الحق، وتعبيدهم له وحده، هو الموضوع الأساسي للسورة.
فلنسمع إذن تقرير السياق القرآني لهذه الحقيقة في مواقف منه شتى:
في موقف الإشهاد والمفاصلة، حيث تتجلى تلك الحقيقة في القلب المؤمن بها وحيث يواجه بها المخالفين، ويصدع بها في قوة وفي يقين:
«قُلْ: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ! قُلْ: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ: إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ، وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ، وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ. قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ. أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى؟ قُلْ: لا أَشْهَدُ. قُلْ: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..
وفي موقف التهديد، حيث يتجلى سلطان الله محيطا بالعباد وتتعرى أمامه الفطرة ويسقط عنها الركام، وتتجه إلى ربها الحق وحده وتنسى الآلهة الزائفة، أمام الهول، وأمام مصارع المكذبين:
«قُلْ: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ- إِنْ شاءَ- وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا! وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ: قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ. قُلْ: أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً؟ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ؟» ..
وفي موقف التعريف بإحاطة الله بالغيوب والأسرار، والأنفاس والأعمار، مع القدرة والقهر والسيطرة في البر والبحر، والنهار والليل، والدنيا والآخرة، والحياة والممات: