في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٨٧٤
بلادهم حربيون، غير أن أهل البلد يطبقون أحكام الإسلام ويقضون بينهم حسب شريعة الإسلام.. فالمدار كله في اعتبار بلد ما «دار إسلام» هو تطبيقه لأحكام الإسلام وحكمه بشريعة الإسلام..
الثاني: دار الحرب. وتشمل كل بلد لا تطبق فيه أحكام الإسلام، ولا يحكم بشريعة الإسلام.. كائناً أهله ما كانوا.. سواء قالوا: إنهم مسلمون، أو إنهم أهل كتاب، أو إنهم كفار. فالمدار كله في اعتبار بلد ما «دار حرب» هو عدم تطبيقه لأحكام الإسلام وعدم حكمه بشريعة الإسلام، وهو يعتبر «دار حرب» بالقياس للمسلم وللجماعة المسلمة.
والمجتمع المسلم هو المجتمع الذي يقوم في دار الإسلام بتعريفها ذاك.
وهذا المجتمع، القائم على منهج الله، المحكوم بشريعته، هو الذي يستحق أن تصان فيه الدماء، وتصان فيه الأموال ويصان فيه النظام العام وأن توقع على المخلين بأمنه، المعتدين على الأرواح والأموال فيه العقوبات التي تنص عليها الشريعة الإسلامية، في هذا الدرس وفي سواه.. ذلك أنه مجتمع رفيع فاضل ومجتمع متحرر عادل ومجتمع مكفولة فيه ضمانات العمل وضمانات الكفاية لكل قادر ولكل عاجز ومجتمع تتوافر فيه الحوافز على الخير وتقل فيه الحوافز على الشر من جميع الوجوه. فمن حقه إذن على كل من يعيش فيه أن يرعى هذه النعمة التي يسبغها عليه النظام وأن يرعى حقوق الآخرين كلها من أرواح وأموال وأعراض وأخلاق وأن يحافظ على سلامة «دار الإسلام» التي يعيش فيها آمناً سالماً غانماً مكفول الحقوق جميعاً، معترفاً له بكل خصائصه الإنسانية، وبكل حقوقه الاجتماعية- بل مكلفاً بحماية هذه الخصائص والحقوق- فمن خرج بعد ذلك كله على نظام هذه الدار- دار الإسلام- فهو معتد أثيم شرير يستحق أن يؤخذ على يده بأشد العقوبات مع توفير كل الضمانات له في أن لا يؤخذ بالظن، وأن تدرأ عنه الحدود بالشبهات.
فأما «دار الحرب» .. بتعريفها ذاك.. فليس من حقها ولا من حق أهلها أن يتمتعوا بما توفره عقوبات الشريعة الإسلامية من ضمانات، لأنها ابتداء لا تطبق شريعة الإسلام، ولا تعترف بحاكمية الإسلام.. وهي- بالنسبة للمسلمين (الذين يعيشون في دار الإسلام ويطبقون على حياتهم شريعة الإسلام) - ليست حمى.
فأرواحها وأموالها مباحة لا حرمة لها عند الإسلام- إلا بعهد من المسلمين حين تقوم بينها وبين دار الإسلام المعاهدات- كذلك توفر الشريعة هذه الضمانات كلها للأفراد الحربيين (القادمين من دار الحرب) إذا دخلوا دار الإسلام بعهد أمان مدة هذا العهد وفي حدود «دار الإسلام» التي تدخل في سلطان الحاكم المسلم (والحاكم المسلم هو الذي يطبق شريعة الإسلام) .
وعلى ضوء هذا البيان نستطيع أن نمضي مع السياق:
«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ: إِذْ قَرَّبا قُرْباناً، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ. قالَ: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ، فَقَتَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ. قالَ: يا وَيْلَتى! أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ، فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي؟ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ... »
هذه القصة تقدم نموذجاً لطبيعة الشر والعدوان ونموذجاً كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرر له.
كما تقدم نموذجاً لطبيعة الخير والسماحة ونموذجاً كذلك من الطيبة والوداعة. وتقفهما وجهاً لوجه، كل منهما يتصرف وفق طبيعته.. وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر، والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير