في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٧٩٩
وبعد تركيز تلك القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي عن حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر، فيما يتعلق بالرسل والرسالات.. يأخذ في استعراض بعض مواقف اليهود في هذا المجال، وفي مجال الجهر بالسوء الذي بدئ به هذا الدرس، منددا بموقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم ورسالته، وتعنتهم في طلب الآيات والأمارات منه، ويقرن بين موقفهم هذا وما كان لهم من مواقف مع نبيهم موسى- عليه السلام- ثم مع رسول الله من بعده عيسى- عليه السلام- وأمه مريم، فإذا هم جبلة واحدة في أجيالهم المتتابعة.. والسياق يوحد بين الجيل الذي يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم، والجيل الذي واجه عيسى عليه السلام.. والجيل الذي واجه موسى كذلك من قبل، ليؤكد هذا المعنى، ويكشف عن هذه الجبلة:
«يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ.. فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ، فَقالُوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً! فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ، ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً. وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ: لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ- بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا- وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ! وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ، إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ، وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً- فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ، وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا- وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ- وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً» ..
لقد وقف اليهود في الجزيرة من الإسلام ونبي الإسلام ذلك الموقف العدائي المتعنت المكشوف، وكادوا له ذلك الكيد المبيت المستمر العنيد، الذي وصفه القرآن تفصيلاً، واستعرضنا ألواناً منه في سورتي البقرة وآل عمران، وفي هذه السورة كذلك من قبل- في الجزء الخامس- وهذا الذي تقصه الآيات هنا لون آخر.
إنهم يتعنتون فيطلبون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يأتيهم بكتاب من السماء.. كتاب مخطوط ينزله عليهم من السماء مجسماً يلمسونه بأيديهم:
«يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ» :
ويتولى الله- سبحانه- الإجابة عن نبيه. ويقص عليه وعلى الجماعة المسلمة- في مواجهة اليهود- صفحة من تاريخهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم موسى- عليه السلام- الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ويرفضون التصديق بعيسى من بعده وبمحمد! إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم وليست طابع هذا الجيل وحده منهم، إنما هي جبلتهم من قديم.
إنهم هم هم من عهد موسى- نبيهم وقائدهم ومنقذهم- إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات..
وهم هم تعنتاً وإعناتاً فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط.. وهم هم كفراً وغدراً فسرعان ما ينقلبون فينقضون عهدهم- لا مع الناس وحدهم ولكن مع ربهم كذلك- وهم هم قحة وافتراء فلا يعنيهم أن يتثبتوا من قول ولا يتورعون كذلك عن الجهر بالنكر.. وهم هم طمعاً في عرض الدنيا وأكلاً لأموال الناس بالباطل وإعراضاً عن أمر الله وعما عنده من ثواب..