في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ٦٣٨
وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» .
والفقرة الثانية في هذا الدرس، تتناول جانباً من العلاقات المالية في المجتمع المسلم، لتنظيم طرق التعامل في هذا الجانب، لضمان طهارة التعامل بين الأفراد عامة ثم لتقرير حق النساء كالرجال في الملك والكسب- كل حسب نصيبه- وأخيراً لتنظيم التعامل في عقود الولاء التي كانت سارية في الجاهلية وفي القسم الأول من صدر الإسلام، لتصفية هذا النظام، وتخصيص الميراث بالأقارب ومنع عقود الولاء الجديدة:
«يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل- إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم- ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً. وكان ذلك على الله يسيراً. إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً. ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، وأسالوا الله من فضله، إن الله كان بكل شيء عليما. ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيداً» ..
إنها حلقة في سلسلة التربية، وحلقة في سلسلة التشريع.. والتربية والتشريع في المنهج الإسلامي متلازمان أو متداخلان أو متكاملان.. فالتشريع منظور فيه إلى التربية كما هو منظور فيه إلى تنظيم شؤون الحياة الواقعية والتوجيهات المصاحبة للتشريع منظور فيها إلى تربية الضمائر كما أنه منظور فيها إلى حسن تنفيذ التشريع، وانبعاث التنفيذ عن شعور بجدية هذا التشريع وتحقق المصلحة فيه. والتشريع والتوجيه المصاحب منظور فيهما- معاً- إلى ربط القلب بالله، وإشعاره بمصدر هذا المنهج المتكامل من التشريع والتوجيه..
وهذه هي خاصية المنهج الرباني للحياة البشرية.. هذا التكامل الذي يصلح الحياة الواقعية، ويصلح الضمير البشري في ذات الأوان..
وهنا في هذه الفقرة نجد النهي للذين آمنوا عن أكل أموالهم بينهم بالباطل- وبيان الوجه الحلال للربح في تداول الأموال- وهو التجارة- ونجد إلى جانبه تصوير أكل الأموال بالباطل بأنه قتل للأنفس وهلكة وبوار. ونجد إلى جانبه كذلك التحذير من عذاب الآخرة، ومس النار! .. وفي الوقت ذاته نجد التيسير والوعد بالمغفرة والتكفير، والعون على الضعف والعفو عن التقصير.. كذلك نجد تربية النفوس على عدم التطلع إلى ما أنعم الله على البعض، والتوجه إلى الله- صاحب العطاء- وسؤال من بيده الفضل والعطاء. وذلك التوجيه مصاحب لتقرير حق الرجال ونصيبهم فيما اكتسبوا، وحق النساء ونصيبهن فيما اكتسبن، وهذا وذلك مصحوب بأن الله كان بكل شيء عليماً.. كما أن بيان التصرف في عقود الولاء، والأمر بالوفاء بها نجده مصحوباً بأن الله كان على كل شيء شهيداً.. وهي لمسات وجدانية مؤثرة مصاحبة للتشريع، وتوجيهات تربوية من صنع العليم بالإنسان، وتكوينه النفسي، ومسالك نفسه ودروبها الكثيرة.
«يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل- إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم- ولا تقتلوا أنفسكم. إن الله كان بكم رحيماً. ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً، وكان ذلك على الله يسيراً» .
النداء للذين آمنوا، والنهي لهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل.