في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٧٩
«إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ. وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..
إن الناس يواجهون هذا الحق الذي جاءهم به الرسول من عند الله وهم فريقان:
فريق حي، أجهزة الاستقبال الفطرية فيه حية، عاملة، مفتوحة.. وهؤلاء يستجيبون للهدى. فهو من القوة والوضوح والاصطلاح مع الفطرة والتلاقي معها إلى الحد الذي يكفي أن تسمعه، فتستجيب له:
«إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» ..
وفريق ميت، معطل الفطرة، لا يسمع ولا يستقبل، ومن ثم لا يتأثر ولا يستجيب.. ليس الذي ينقصه أن هذا الحق لا يحمل دليله- فدليله كامن فيه، ومتى بلغ إلى الفطرة وجدت فيها مصداقه، فاستجابت إليه حتماً- إنما الذي ينقص هذا الفريق من الناس هو حياة الفطرة، وقيام أجهزة الاستقبال فيها بمجرد التلقي! وهؤلاء لا حيلة فيهم للرسول، ولا مجال معهم للبرهان. إنما يتعلق أمرهم بمشيئة الله. إن شاء بعثهم إن علم منهم ما يستحق أن يحييهم، وإن شاء لم يبعثهم في هذه الحياة الدنيا، وبقوا أمواتاً بالحياة حتى يرجعوا إليه في الآخرة.
«وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ. ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» ..
هذه هي قصة الاستجابة وعدم الاستجابة! تكشف حقيقة الموقف كله، وتحدد واجب الرسول وعمله، وتترك الأمر كله لصاحب الأمر يقضي فيه بما يريد.
ومن خطاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذه الحقيقة، ينتقل السياق إلى حكاية ما يطلبه المشركون من إنزال خارقة، وإلى بيان ما في هذا الطلب من الجهالة بسنة الله، ومن سوء إدراك لرحمته بهم ألا يستجيب لهذا الاقتراح الذي في أعقابه التدمير لهم لو أجيبوا إليه! ويعرض جانباً من دقة التدبير الإلهي وإحاطته بالأحياء جميعاً، يوحي بحكمة السنة الشاملة للأحياء جميعاً. وينتهي بتقرير ما وراء الهدى والضلال من أسرار وسنن تجري بها مشيئة الله طليقة.
«وَقالُوا: لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ! قُلْ: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ. مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ، وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..
لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة، ولا يقنعون بآية القرآن الباقية، التي تخاطب الإدراك البشري الراشد، وتعلن عهد الرشد الإنساني، وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة..
وكانوا يطلبون خارقة، ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة، وإهلاكهم في الدنيا. ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة، وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها- كما وقع من الأقوام قبلهم- فيحق عليهم الهلاك، بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن. فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة. ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم، وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم، الذي لا يعلمون جرائره!