في ظلال القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٤٢
«وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» ..
إنهم يقترحون أن ينزل الله- سبحانه- ملكا على رسوله- صلى الله عليه وسلم- يصدقه في دعواه.. ولكن الملائكة خلق آخر غير الخلق الإنساني. خلق ذو طبيعة خاصة يعلمها الله. وهم- كما يقول الله عنهم، ونحن لا علم لنا بهم إلا مما يقوله عنهم الذي خلقهم- لا يستطيعون أن يمشوا في الأرض بهيئتهم التي خلقهم الله عليها لأنهم ليسوا من سكان هذا الكوكب ولكن لهم- مع ذلك- من الخصائص ما يجعلهم يتخذون هيئة البشر حين يؤدون وظيفة من وظائفهم في حياة البشر كتبليغ الرسالة أو التدمير على من يريد الله أن يدمر عليهم من المكذبين أو تثبيت المؤمنين، أو قتال أعدائهم وقتلهم.. إلى آخر الوظائف التي يقص القرآن الكريم أنهم يكلفون بها من ربهم، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
فلو شاء الله أن يرسل ملكاً يصدق رسوله، لتبدى للناس في صورة رجل- لا في صورته الملائكية- وعندئذ يلتبس عليهم الأمر مرة أخرى! وإذا كانوا يلبسون على أنفسهم الحقيقة ومحمد- صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: أنا محمد الذي تعرفونه أرسلني الله إليكم لأنذركم وأبشركم.. فكيف يكون اللبس إذا جاءهم ملك- في صورة رجل لا يعرفونه- يقول لهم: أنا ملك أرسلني الله لأصدق رسوله.. بينما هم يرونه رجلاً كأي منهم؟! إنهم يلبسون الحقيقة البسيطة. فلو أرسل الله ملكاً لجعله رجلاً وللبس عليهم الحقيقة التي يلبسونها ولما اهتدوا قط إلى يقين! وهكذا يكشف الله- سبحانه- جهلهم بطبيعة خلائقه، كما كشف لهم جهلهم في معرفة سنته.. وذلك بالإضافة إلى كشف تعنتهم وعنادهم بلا مبرر، وبلا معرفة، وبلا دليل! والحقيقة الثالثة التي يثيرها النص القرآني في الفكر: هي طبيعة التصور الإسلامي ومقومات هذا التصور- ومن بينها تلك العوالم الظاهرة والمغيبة التي علم الإسلامُ المسلمَ أن يدركها أولاً، وأن يتعامل معها أخيراً- ومن بين تلك العوالم المغيبة عالم الملائكة.. وقد جعل الإسلام الإيمان بها مقوماً من مقومات الإيمان، لا يتم الإيمان إلا به..
الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره..
وقد سبق أن ذكرنا في هذه الظلال ونحن نتحدث عن مطلع سورة البقرة: ما ملخصه أن الإيمان بالغيب نقلة في حياة الإنسان ضخمة لأن خروجه من دائرة المحسوس الضيقة إلى إدراك أن هناك غيباً مجهولاً يمكن وجوده ويمكن تصوره، هو- بلا شك- نقلة من دائرة الحس الحيواني إلى مجال الإدراك الإنساني. وأن إغلاق هذا المجال دون الإدراك الإنساني نكسة به إلى الوراء وهو ما تحاوله المذاهب المادية الحسية وتدعوه «تقدمية» ! وسنتحدث- إن شاء الله- بشيء من التفصيل عن «الغيب» عند ما نواجه في هذه السورة قوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» .. فنقصر الحديث هنا عن الملائكة، من عالم الغيب.
لقد تضمن التصور الإسلامي عن عالم الغيب، أن هناك خلقاً من عباد الله اسمهم الملائكة. وأخبرنا القرآن الكريم عن قدر من صفاتهم، يكفي لهذا التصور، ويكفي للتعامل معهم في حدوده.
فهم خلق من خلق الله، يدين لله بالعبودية، وبالطاعة المطلقة وهم قريبون من الله- لا ندري كيف ولا ندري نوع القرب على وجه التحديد-: «وَقالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. سُبْحانَهُ! بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ»
.. «وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ» ..
وهم يحملون عرش الرحمن، ويحفون به يوم القيامة كذلك- لا ندري كيف فليس لنا من علم إلا بقدر