تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ١٦١
الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر ، وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون ، يتوقعون أخباره ويجتهدون في أخذه ، والله سبحانه وتعالى يستره ويدفع عنه. فلما تمّ له [١] سبع سنين أذن الله تعالى في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم ، فأمرض الله سبحانه ابنا لأجب ـ وكان أحبّ ولده إليه ، وأعزهم عليه ، وأشبههم به ـ فأدنف حتى يئس منه ، فدعا صنمه بعلا ـ وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه ، حتى جعلوا له أربعمائة سادن فوكلوهم به وجعلوهم أمناءه ، فكان الشيطان يدخل في جوف الصّنم فيتكلّم بأنواع الكلام ، وأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ، ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيكتبونها للناس فيعملون بها ، ويسمونهم الأنبياء.
فلما اشتدّ مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوه إلى بعل ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية فدعوه [٢] فلم يجبهم ، ومنع الله بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج في جوفه ولا الكلام [٣] ، وهم مجتهدون في التضرع إليه وهو لا يزداد إلّا خمودا [٤]. فلما طال عليهم ذلك قالوا لأجب : إنّ في ناحية الشام آلهة أخرى ، وهي في العظم مثل إلهك ، فابعث إليها الأنبياء ليشفعوا لك إليها ، فلعلّها أن تشفع لك إلى إلهك بعل ، فإنه غضبان عليك ، ولو لا غضبه عليك لكان قد [٥] أجابك وشفى لك ابنك.
قال أجب : ومن أجل ماذا غضب عليّ ، وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت ، لم أسخطه ساعة قط؟ قالوا : من أجل أنك لم تقتل إلياس ، وفرطت فيه حتى نجا سليما ، وهو كافر بإلهك ، يعبد غيره ، فذلك الذي أغضبه عليك. قال أجب : وكيف لي أن أقتل إلياس يومي هذا ، وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني؟ فليس لإلياس مطلب ، ولا يعرف له موضع فيقصد ، فلو عوفي ابني تفرّغت لطلبه ، ولم يكن لي همّ ولا شغل غيره حتى آخذه فاقتله ، فأريح إلهي منه وأرضيه.
قال : ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمائة ليشفعوا إلى الآلهة [٦]. التي بالشام ، ويسألوها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس ، أوحى الله سبحانه إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلمهم ، وقال له : «لا تخف فإني سأصرف عنك شرّهم ، وألقي الرّعب في قلوبهم» فنزل إلياس من الجبل ، فلما لقيهم استوقفهم ، فلما وقفوا ، قال لهم : «إنّ الله سبحانه أرسلني إليكم وإلى من وراءكم ، فاسمعوا أيّها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم ، فارجعوا إليه وقولوا له : إنّ الله يقول لك : ألست تعلم يا أجب
[١] من عرائس المجالس.
[٢] من عرائس المجالس وفي المخطوط : فدعوهم.
[٣] من عرائس المجالس.
[٤] في عرائس المجالس : لا يزداد بذلك إلّا ألما وجهدا.
[٥] من عرائس المجالس ، وفي المخطوط لقد ، بدل لكان قد.
[٦] من عرائس المجالس ، وفي المخطوط : الهون.