تفسير الثعلبي (الكشف والبيان) - الثعلبي - الصفحة ٨٨
الرسل خمسمائة وخمسين عاما ، فلما بعث الله محمدا عليهالسلام كلّم الله جبرائيل بالرسالة إلى محمد ، فلما سمعت الملائكة الصوت ظنوا أنها الساعة قد قامت فصعقوا مما سمعوا. فلما انحدر جبرائيل جعل يمر بأهل كلّ سماء فيكشط عنهم فيرفعون رؤوسهم ، فيقول بعضهم لبعض : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ)؟ فلم يدروا ما كان ولكنهم (قالُوا) : قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ؛ وذلك أنّ محمدا عند أهل السماوات من أشراط الساعة ، فلما بعثه الله تعالى فزع أهل السماوات لا يشكون إلّا أنها الساعة.
وقال الضحاك : إنّ الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم ، إذا أرسلهم الرب فانحدروا سمع لهم صوت شديد ، فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا ويصعقون ، حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة ، وهذا تنبيه من الله سبحانه وإخبار أنّ الملائكة مع هذه الصفة لا يمكنهم أن يشفعوا لأحد إلّا أن يؤذن لهم ، فإذا أذن الله لهم وسمعوا وحيه كان هذا حالهم. فكيف تشفع الأصنام؟! وقال آخرون : بل الموصوفون بذلك المشركون.
قال الحسن وابن زيد يعني : حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم ، قالت لهم الملائكة : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ) في الدنيا؟ (قالُوا : الْحَقَ) ، فأقرّوا به حين لم ينفعهم الإقرار ، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في آخر السورة : (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ) [١].
(قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) هذا على جهة الإنصاف في الحجاج كما يقول القائل : أحدنا كاذب وهو يعلم أنه صادق وأنّ صاحبه كاذب.
والمعنى : ما نحن وأنتم على أمر واحد ، إنّ أحد الفريقين لمهتد والآخر ضال. فالنبيّ ومن معه على الهدى ومن خالفه في ضلال ، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب.
وقيل هذا على جهة الاستهزاء بهم وهو غير شاك في دينه ، وهذا كقول الشاعر وهو أبو الأسود :
|
يقول الأرذلون بنو قشير : |
|
طوال الدهر لا تنسى عليّا |
|
بنو عم النبي وأقربوه |
|
أحبّ الناس كلّهم إليّا |
|
فإن يك حبهم رشدا أصبه |
|
وليس بمخطئ إن كان غيا [٢] |
[١] سورة سبأ : ٥١.
[٢] تاريخ دمشق : ٢٥ / ١٨٩ ـ ٢٠٠ ط. دار الفكر.